
محمد طاهر سليمان
في الأزمنة العادية يكثر المتحدثون، أما في أزمنة الأزمات والحروب فلا يبقى في الميدان إلا أصحاب المواقف الحقيقية. وحين اندلعت الحرب في السودان ودخلت البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وخطورة، وجد المواطن السوداني نفسه أمام واقع جديد فرض عليه البحث عن أصوات صادقة تنقل همومه وتعبّر عن آلامه وآماله بعيداً عن الضجيج والمصالح الضيقة. وفي خضم تلك الأحداث برز اسم الإعلامي والناشط المجتمعي فهد سعد الرشيدي، المعروف لدى جمهوره باسم «صوت الحق الرشيدي»، كواحد من الأصوات التي اختارت أن تنحاز للناس وقضاياهم وأن تجعل من الكلمة رسالة ومن الإعلام مسؤولية وطنية.
لم يأت حضور فهد الرشيدي من فراغ، ولم يصنعه منصب أو نفوذ أو دعم سياسي، بل صنعته سنوات من التفاعل المباشر مع قضايا المجتمع والانشغال الحقيقي بأوجاع الناس. ولذلك كان طبيعياً أن يجد مكانه في المشهد العام عندما احتاج السودان إلى رجال يقولون ما يؤمنون به ويتحملون مسؤولية مواقفهم أمام الجماهير.
منذ الساعات الأولى للحرب، أدرك الرشيدي أن المعركة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أيضاً معركة وعي ومعلومات ورواية. فاختار أن يكون حاضراً في هذه الساحة، متابعاً للأحداث، ناقلاً لما يجري، ومشاركاً في النقاشات الوطنية التي شغلت السودانيين داخل البلاد وخارجها. وقد ظل حريصاً على أن يكون خطابه قريباً من المواطن البسيط الذي يبحث عن الحقيقة وسط سيل هائل من الأخبار المتضاربة والشائعات والمواقف المتناقضة.
ويتميز «صوت الحق الرشيدي» بقدرته على الجمع بين الانتماء المحلي والرؤية الوطنية الشاملة. فهو ابن أصيل لشرق السودان، ذلك الإقليم الذي ظل لعقود طويلة يعاني من التهميش وضعف التنمية رغم ما يملكه من إمكانات وثروات وموقع استراتيجي بالغ الأهمية. ولذلك لم يتردد في حمل قضايا الشرق إلى المنابر المختلفة، مدافعاً عن حق مواطنيه في التنمية والخدمات والتمثيل العادل، ومؤكداً في الوقت ذاته أن نهضة الشرق لا تنفصل عن نهضة السودان كله.
لقد ظل الرشيدي يؤمن بأن شرق السودان ليس هامشاً جغرافياً، بل ركيزة أساسية من ركائز الدولة السودانية الحديثة، وأن تحقيق الاستقرار في البلاد يبدأ من تحقيق العدالة بين الأقاليم وتمكين المواطنين من حقوقهم المشروعة. ومن هنا اكتسبت مواقفه احتراماً واسعاً وسط أبناء الشرق الذين وجدوا فيه صوتاً يعبر عن تطلعاتهم وينقل رؤيتهم إلى الساحة الوطنية.
ولعل ما يميز تجربة فهد سعد الرشيدي أكثر من غيرها هو إيمانه العميق بقوة الكلمة. ففي الوقت الذي اختار فيه كثيرون الانسحاب من المشهد أو الوقوف موقف المتفرج، ظل هو حاضراً بمقالاته ومداخلاته وتحليلاته، مؤمناً بأن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما أداة لبناء الوعي وصناعة الأمل وتعزيز التماسك الوطني.
وخلال سنوات الحرب لم ينقطع تواصله مع جمهوره، بل تحول إلى منصة مفتوحة للنقاش والحوار وتبادل الرؤى حول مستقبل السودان. وكان حريصاً على أن يظل خطابه موجهاً نحو المستقبل، بعيداً عن خطاب الكراهية والانقسام، ومتمسكاً بقناعة راسخة مفادها أن السودان لا يمكن أن ينهض إلا بوحدة أبنائه واحترام تنوعهم الثقافي والاجتماعي والسياسي.
إن المتابع لمسيرة «صوت الحق الرشيدي» يلاحظ بسهولة أنه لا يتعامل مع القضايا الوطنية باعتبارها موضوعات للنقاش الإعلامي فحسب، وإنما باعتبارها مسؤولية أخلاقية ووطنية. ولهذا اكتسب احترام قطاع واسع من المتابعين الذين رأوا فيه نموذجاً للإعلامي المرتبط بقضايا مجتمعه والملتزم بالدفاع عن مصالح المواطنين وآمالهم المشروعة.
وفي زمن كثرت فيه الأصوات وتداخلت فيه المصالح، نجح فهد سعد الرشيدي في أن يحافظ على حضوره وتأثيره من خلال الصدق والوضوح والالتصاق بقضايا الناس. فلم يكن باحثاً عن الشهرة بقدر ما كان باحثاً عن دور يؤديه تجاه وطن يمر بواحدة من أخطر مراحله التاريخية.
واليوم، وبعد سنوات من العمل الإعلامي والمجتمعي المتواصل، يواصل «صوت الحق الرشيدي» أداء رسالته بنفس الإيمان والحماس، مؤمناً بأن السودان قادر على تجاوز محنته، وأن المستقبل لا يبنى بالسلاح وحده، بل بالكلمة الصادقة والفكرة الواعية والإرادة الوطنية الجامعة.
إن تجربة فهد سعد الرشيدي تؤكد أن الأوطان لا تحتاج فقط إلى السياسيين والقادة، بل تحتاج أيضاً إلى أصحاب الكلمة الحرة الذين يحملون هموم الناس وينقلون أصواتهم ويدافعون عن حقوقهم. ولذلك استحق أن يكون واحداً من الوجوه الإعلامية التي تركت بصمتها خلال سنوات الحرب، وأن يتحول لقبه «صوت الحق الرشيدي» من مجرد اسم متداول إلى عنوان لموقف ورسالة وقضية.




