رأي

المنشقون ومغرزة الرفاق 

خالد فضل 

 

خالد فضل 

  لعل ابا الطيب أحمد بن الحسين المتنبئ قد آثر أن يواسي المنشقين عن سربهم , يخفف عنهم ما يبدو شعور داخلي بالندم على مفارقة الرفاق فقال قولته الشهيرة : 

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا  

ألا تفارقهم فالراحلون هم  

وأورد الشاعر الفلسطيني الراحل معين بسيسو في يومياته التي كتبها في السجن الحربي بمصر الخمسينات , بيتا ضمن قصيدة لشاعر سوري اسمه شوقي بغدادي ؛ واظنه كان ضمن الرفاق فغادرهم :

قد كنت ابنا ضال

يا عصبة الأوحال وخالد الدجال

إنّه أدب المغارز فيما يبدو , الشعور بالمفارقة لجماعة وما تقتضيه الأحوال الجديدة من تبرير يصل حد إيذاء المفارقين . وهي سيرة طويلة تمتد من الخاص إلى العام , فإذا أدار المرء منّا قائمة بمن يعرفهم من أهل ومعارف حدث بين الزوجين الطلاق سيجد أنّ كل طرف يمغرز الآخر , كأنهما لم يكونا في يوم ما في فراش واحد .

وفي حياتنا السياسية المعاصرة شهدت الساحة وقائع لا تحصى من الإنشقاقات في أوساط كل المجموعات لدرجة يخيل معها أن الثابت هو الإنشقاق والإستثناء هو الثبات . فمنذ أيام مؤتمر الخريجين ؛ بل ما قبله قي حركة الإتحاد السوداني واللواء الأبيض والأبروفيين وأولاد الموردة , إلى الفيلست والشوقست نجد جرثومة الإنشقاقات وما يصاحبها من تلاسن ومواقف حديّة ضد من كانوا رفاقا بالأمس القريب . يبدأ الواحد أو الفئة القليلة الململة نتيجة سقوط مقترحه أو رأيه في مسألة ما ثم يتطور الموقف إلى غضب وحرد , ثم إلى انقسام وانشقاق , ثم إلى عداوة ظاهرة لفصيله الذي كان يأويه .

حدث هذا في الحزب الشيوعي السوداني , وفي الحزب الإتحادي الديمقراطي وفي حزب الأمة وفي حركة الإخوان المسلمين ووأوساط القوميين من بعثيين وناصريين , وابتليت تنظيمات الجنوب بذات الداء منذ أنانيا الأولى والحركة الشعبية لتحرير السودان في نسختيها الجنوبية والشمالية , والحزب القومي في جبال النوبة وتنظيمات شرق السودان ودارفور وحركات وتنظيمات الشمالية والنوبيين , حدث ذلك ويحدث في التحالفات والجمعيات والفرق الفنية الموسيقية والطرق الصوفية والأندية الرياضية كما يقع في المنظومة الواحدة مثل انشقاقات الإسلاميين المعروفة وما قاله الترابي عن البشير من مغارز وما ردده البشير في حق شيخه لدرجة الوصف بالنفاق ! مثلما ساد بين الشريف الهندي من حرد ومغرزة تجاه الميرغني وحزبة الإتحادي , وما ساد بين الشيوعيين وحركة حق , والقائمة تطول ولا تنتهي بتجمع المهنيين إبان فترة الثورة الشعبية الأخيرة , وقوى الحرية والتغيير … إلخ وصولا إلى مرحلة انشقاق فارس النور عن تحالف تأسيس ..

تلك سيرة تستحق التأمل من كل فرد ينشط في الفضاء العام , تستوجب النظر من كل فرد يسعى في فضائه الخاص .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!