
نجم الدين دريسة
تناول المفكر والكاتب السوداني الدكتور النور حمد في كتابه «السودان والهيمنة المصرية: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع» من زاوية تتجاوز الخلافات السياسية العابرة إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها وقدرتها على حماية قرارها الوطني والتدخل المصري السافر في الشأن السوداني والتآمر المستمر علي السودان وصناعة الازمات بحجة الامن القومي المصري فالكتاب لم يكن مجرد قراءة للعلاقة بين السودان ومصر، بل محاولة لفهم الأسباب التي تجعل دولة بحجم السودان وموارده وموقعه الجغرافي عرضة دائمة للهيمنة المصرية واختراقاتها السياسية والإمنية وسيطرتها علي موارد السودان والتحكم في مياه الدولة بصورة اكثر من مجحفة .
واليوم، وفي ظل الحرب التي تعصف بالبلاد، والجدل الواسع الذي أثارته الأحداث الأخيرة في مناطق التعدين الأهلي، تعود تلك الأسئلة القديمة بقوة أكبر من أي وقت مضى. ليس لأن الوقائع الحالية تقدم إجابات واقعية نهائية، بل لأنها تطرح مجدداً الأسئلة الملحة الذي ظل يطرحها د.النور حمد: ماذا يحدث عندما تضعف الدولة إلى الحد الذي تصبح فيه عاجزة عن حماية سيادتها أو فرض روايتها أو طمأنة حتي مواطنيها؟
لقد ظل السودان لعقود طويلة يعيش أزمة دولة أكثر من كونه يعيش أزمة بالغة التعقيد حيث ظل السودان منذ ما يعرف بالاستقلال تتحكم فيه الدولة المصرية عبر الجيش الذي ظل طيلة ٧ عقود من الزمان بمثابة جيش مصر الرابع في السودان حيث ظل مخلب قط لتدخلها السافر في الشأن السوداني وظفته لقمع الشعوب السودانية وقمع اي محاولات وطنية لتحقيق استقلالية القرار الوطني المرتهن لمصر والموارد والثروات المستغلة لصالح مصر والشعوب السودانية تعاني من الفقر والجوع والمرض ومواردها تخدم شعوب اخري
كالعيس يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول .
وفي خضم هذا الواقع، لم يكن مستغرباً أن تتحول البلاد إلى ساحة للنفوذ المصري .. لأن مصر استمرأت الامر وظلت تتعاطي مع السودان كحديقة خلفية وان شعوبه لا تستحق الحياة بل الموت وان موارد السودان يجب ان تذهب للدولة المصرية لذا ظل السودان يعاني من حالة عدم الاستقرار السياسي بسبب التآمر المصري وارتهان النخب العسكرية والمدنية وتواطؤها ضد الشعوب السودانية .. مما ادي الي وحود دولة هشة منهكة ومهترئة فالدول القوية تفرض أجندتها، أما الدول المنهكة بالحروب والانقسامات فإنها تجد نفسها في كثير من الأحيان موضوعاً لتلك الأجندات لا صانعة لها.
من هنا تبرز العلاقة السودانية المصرية حساسية خاصة. فمصر ليست دولة بعيدة يمكن النظر إليها بوصفها فاعلاً خارجياً عادياً، بل هي الجار الأكبر والأكثر التصاقاً بالسودان من حيث التاريخ والجغرافيا والمياه والمصالح الأمنية. ولهذا ظلت العلاقة بين البلدين علاقة استعلاء وسيطرة واستحواز وهيمنة .. وظهر ذلك في مئات المواقف منها علي سبيل المثال لا الحصر قيام السد العالي في إبان الحكم العسكري للفريق إبراهيم عبود وتهجير أهالي حلفا وغمر الاثار بالمياه والاستيلاء علي بحيرة الناصر ليس ذلك فحسب بل اتفاقيات مياه النيل الجائرة وسرقة ونهب موارد السودان من ذهب ومحاصيل نقدية واغتصاب أراضي السوداني في كل من حلايب وشلاتين وأبو رماد.. واحتلال الأراضي الزراعية في العمق السوداني وما خفي أعظم.
القاهرة تنظر إلى استقرار السودان باعتباره ضيعة خاصة بها وبالتالي يُعامل باعتباره مجالاً حيوياً للمصالح المصرية أكثر من كونه شريكاً متكافئاً في العلاقة
ومن هنا يبرز سؤال مهم جدا هل يملك السودان بالفعل القدرة الكافية لإدارة علاقته مع مصر من موقع الندية بان يضع حدا لهذا التطاول والصلف المصري أم يظل السودان هو الطرف الأضعف بسبب ان جيشه مرتهن بالكامل للمخابرات المصرية توجهه كيفما اردات ونخبه خاصة من الشمال النيلي ظلت تمارس كل أشكال العمال والتآمر ضد الشعوب السودانية خدمة للاجندة المصرية التي تربط امنها القومي بخلق الفوضي وصناعة الأزمات في السودان وهذا ما يفسر موقف مصر اصرارها علي إبقاء السودان بجيشه ومؤسساته لانها في حقيقتها هي بالوكالة ولا تعبر عن الشعوب بل تقف ضد تطلعاتها واشواقها في بناء المشروع الوطني المستقل.
إن أخطر ما كشفته الحرب الحالية ليس حجم الدمار أو الخسائر البشرية فقط، وإنما مستوي التدخل المصري في الشأن السوداني بشكل مدهش ويبدو واضحا ان مصر المستفيد الاول من إشعال وما الجيش الا اداة في يد الدولة المصرية والحارس الوفي لمصالحها في السودان وبالتالي تعد فرية قوات الشعب المسلحة تنطلي علي الشعوب السودانية. فالجيش السوداني الذي تأسيس منذ ١٩٢٤م لا يعبر عن شعوبنا التي ظل يقمعها عبر احتكار أدوات القوة المصرية وتحقيق النفوذ المصري .
لذا تظل المؤسسة العسكرية السودانية بوصفها أحد أهم عناصر الأزمة الوطنية الراهنة. فالحرب لم تكشف فقط حدود قدراتها العسكرية، بل كشفت أيضاً حجم الأسئلة المتعلقة باستقلالية قرارها السياسي والاستراتيجي. وعلى امتداد سبعين سنة لا توجد ادني استقلالية للقرار العسكري السوداني نتيجة الارتهان للمخابرات المصري و أن الأزمة لم تعد تقتصر على ضعف الأداء العسكري أو الفشل في إدارة الحرب، بل امتدت إلى أزمة ثقة تتعلق بقدرة المؤسسة نفسها على التعبير عن المصالح الوطنية السودانية بصورة مستقلة.
وقد عززت التطورات الأخيرة هذه التساؤلات، خاصة في ظل غياب مواقف حاسمة وشفافة تجاه القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية والأمن القومي.
فكلما تعمقت الحرب واتسعت رقعتها، ازدادت المخاوف من أن يصبح القرار الوطني أكثر ارتباطاً بحسابات القوى الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، يجب التأكيد علي حقيقة ولضحة كالشمس في رابعة النهار أن السودان يدفع اليوم ثمن عقود طويلة من ضعف وارتهان الجيش عدم وإبعاده عن دور أي دور وطني ، حتى باتت هذ المؤسسة العسكرية اكبر مليشيا في افريقيا أسيرة لتحالفات خارجية أكثر من كونها معبرة عن الإرادة الوطنية السودانية الجامعة.
وهنا تكتسب أطروحة الدكتور النور حمد أهمية إضافية. فجوهر تحذيره لم يكن موجهاً ضد دولة بعينها بقدر ما كان موجهاً ضد هشاشة الدولة السودانية نفسها. فحين تضعف المؤسسات الوطنية وتفقد استقلالية قرارها، يصبح النفوذ الخارجي أكثر حضوراً وتأثيراً، وتصبح السيادة الوطنية شعاراً يتراجع أمام وقائع القوة والمصالح.
إن الجدل الذي صاحب أحداث مناطق التعدين الأخيرة يعكس هذه الأزمة بوضوح. فبدلاً من وجود مؤسسات قوية قادرة على كشف الحقائق وتقديم المعلومات للرأي العام، وجد السودانيون أنفسهم أمام سيل من الروايات المتضاربة والأسئلة المفتوحة والاتهامات المتبادلة.
وفي مثل هذه البيئات المضطربة تتكاثر الشكوك وتزدهر نظريات النفوذ والتدخل. ليس فقط لأن الناس تميل إلى الشك، وإنما لأن الفراغ المعلوماتي نفسه يصبح جزءاً من الأزمة.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن السيادة لا تُقاس بالشعارات ولا بالخطب السياسية، وإنما بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وأرضها ومواردها وقرارها الوطني. وعندما تتراجع هذه القدرة، تصبح كل الأسئلة مشروعة مهما كانت قاسية.
ولعل أخطر ما يواجه السودان اليوم هو أن تتحول حالة الضعف هذه إلى وضع طبيعي. أن يعتاد الناس على غياب الدولة. أن يصبح التراجع المستمر في السيادة أمراً مألوفاً. وأن يتحول النفوذ الخارجي من استثناء مؤقت إلى قاعدة دائمة.
إن بناء دولة قوية لا يبدأ بإطلاق الشعارات ضد الخارج، بل يبدأ بإصلاح الداخل. يبدأ ببناء مؤسسات محترمة وشفافة وخاضعة للمساءلة. يبدأ بإعادة الاعتبار للسياسة المدنية وللمشاركة الشعبية وللتوازن بين الأقاليم والمركز. ويبدأ قبل كل شيء بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع.
فالدولة التي تخشى شعوبها أكثر مما تخشى خصومها الخارجيين لا تستطيع أن تبني سيادة حقيقية. والدولة التي تنظر إلى مواطنيها باعتبارهم مشكلة أمنية أكثر من كونهم أصحاب حق لن تتمكن من إنتاج الاستقرار الذي يحميها من التدخلات الخارجية.
فالسودان اليوم أمام لحظة تاريخية تضع الشعوب السودانية قاطبة امام مسؤولية أخلاقية فإما أن تنجح في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، وإما أن تستمر الحلقة الشريرة.
ويبقى السؤال الذي طرحه النور حمد قبل سنوات حاضراً بقوة في المشهد الراهن: هل تكمن المشكلة في الأطماع الخارجية وحدها، أم في البيئة الداخلية التي تجعل تلك الأطماع ممكنة ومؤثرة؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم أكثر من أي سؤال آخر.
فالقضية ليست قضية حدود فقط، ولا قضية نفوذ فقط، ولا قضية صراع سياسي فقط.
القضية هي قضية دولة تبحث عن نفسها.
ودولة لا تستطيع أن تحمي قرارها الوطني ستظل دائماً عرضة للضغوط، مهما تبدلت الأسماء وتغيرت الظروف.
أما الدولة التي تنجح في بناء مؤسساتها على أساس المواطنة والعدالة والقانون، فإنها وحدها القادرة على تحويل الجغرافيا من مصدر تهديد إلى مصدر قوة، وتحويل العلاقات الإقليمية من مساحة للنفوذ إلى مساحة للشراكة المتوازنة.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية التي ستحدد مستقبل السودان لعقود قادمة: معركة بناء وتأسيس الدولة علي أسس جديدة تعالج الاختلالات التاريخية التي صاحبتها وجعلتها عرضة للارتهان لمصر الجارة التي تفوق سوء الظن العريض.




