
سمية النور دهب ،، دبلن
الصمت أمام الحقائق الواضحة يربك الضمير ويضعف الموقف الوطني.
في السياسة، لا تُقاس المواقف بما تقوله القوى السياسية فحسب، وإنما بما تمتنع عن قوله أيضاً. فالكلمات التي تُحذف أحياناً تكون أكثر دلالة من الكلمات التي تُكتب، والحقائق التي يجري تجاوزها تكشف من التوازنات والحسابات ما لا تكشفه البيانات الرسمية. ومن هذا المنطلق تبدو المقارنة بين موقف الحزب الشيوعي السوداني وموقف تحالف “صمود” تجاه الهجمات التي استهدفت مناطق التعدين الأهلي في شمال وشرق السودان مقارنة جديرة بالتأمل والتحليل.
الحزب الشيوعي السوداني اختار أن يذهب مباشرة إلى جوهر القضية. فقد أشار بوضوح إلى أن المعلومات المتوفرة تتحدث عن هجوم استهدف معدنين سودانيين داخل الأراضي السودانية، وربط بين الضربات الجوية وبين دخول آليات عسكرية مصرية إلى مناطق غنية بالذهب. كما طالب بتحقيق دولي مستقل وكشف الحقائق للرأي العام ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
قد يختلف كثيرون مع الحزب الشيوعي في قضايا سياسية وفكرية عديدة، لكن ما لا يمكن إنكاره أن موقفه في هذه القضية اتسم بالوضوح. فقد سمّى الطرف الذي يعتقد أنه مسؤول عن الهجوم، وربط بين الواقعة وبين قضية السيادة الوطنية وحماية الموارد السودانية، وقدم رواية سياسية متماسكة يمكن مناقشتها أو الاتفاق معها أو الاختلاف حولها.
في المقابل، جاء بيان تحالف “صمود” بلغة مختلفة تماماً. فقد أدان الهجوم، وطالب بالتحقيق، وانتقد صمت قيادة القوات المسلحة، وتحدث عن ضرورة حماية المدنيين. غير أن البيان تجنب بصورة لافتة الإشارة إلى مصر رغم أن الاتهامات المتداولة في وسائل الإعلام والمنصات السياسية والحقوقية كانت تدور حول مسؤوليتها المحتملة عن العملية.
هنا يبرز السؤال المشروع: لماذا اختار “صمود” عدم تسمية مصر؟
إذا كان التحالف يرى أن الأدلة غير كافية، فلماذا لم يوضح ذلك صراحة؟ وإذا كان يعتقد أن الاتهامات تحتاج إلى تحقق مستقل، فلماذا لم يشر إلى الجهة المتهمة ولو في إطار المطالبة بالتحقيق؟ وإذا كان حريصاً على كشف الحقيقة كاملة، فلماذا بدا وكأنه يتجنب الاقتراب من أكثر جوانب القضية إثارة للجدل؟
هذه الأسئلة لا تنطلق من رغبة في تسجيل نقاط سياسية ضد “صمود”، وإنما من الحرص على فهم طبيعة الخطاب السياسي الذي يتبناه التحالف في القضايا المرتبطة بالعلاقات الإقليمية والسيادة الوطنية.
لقد اعتاد السودانيون من القوى التي قدمت نفسها بوصفها امتداداً لثورة ديسمبر أن تتحدث بلغة صريحة عندما يتعلق الأمر بالعدالة والحقوق والسيادة الوطنية. ولذلك فإن كثيرين كانوا يتوقعون من “صمود” موقفاً أكثر وضوحاً وحسماً في قضية أثارت موجة واسعة من الغضب الشعبي.
إن البيانات السياسية لا تُختبر في القضايا السهلة، وإنما في الملفات الحساسة التي تتداخل فيها الحسابات الداخلية والخارجية. وعندما يصبح الحديث عن طرف إقليمي بعينه أمراً بالغ الحساسية، تظهر الفوارق الحقيقية بين من يختار الوضوح ومن يفضل لغة عمومية تحتمل أكثر من تفسير.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن جزءاً من النشاط السياسي والإعلامي لعدد من القوى المنضوية تحت “صمود” يتم من القاهرة أو يرتبط بمساحات عمل متصلة بها. وهذا لا يعني بالضرورة أن التحالف يخضع لتأثير مصري أو أنه يتبنى مواقف القاهرة، لكنه يجعل من حق الرأي العام أن يتساءل عما إذا كانت هذه الاعتبارات قد لعبت دوراً في صياغة بيان جاء أقل حدة وأقل مباشرة مما كان متوقعاً.
إن الدفاع عن السيادة الوطنية لا ينبغي أن يكون انتقائياً، ولا يجوز أن يتغير باختلاف هوية الطرف المتهم. فالمعيار الوطني السليم يقتضي موقفاً واحداً تجاه أي انتهاك محتمل للأراضي السودانية أو استهداف للمدنيين السودانيين، بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراءه.
ولهذا فإن القضية المطروحة اليوم ليست مجرد مقارنة بين بيانين سياسيين، بل هي اختبار حقيقي لمدى استعداد القوى السودانية لمخاطبة الوقائع بشجاعة واتساق. فبينما اختار الحزب الشيوعي الحديث بلغة مباشرة، فضّل “صمود” الاكتفاء بإدانة عامة وتجنب تسمية الجهة المتهمة.
ويبقى السؤال معلقاً أمام الرأي العام السوداني: هل كان ذلك تعبيراً عن حذر سياسي مشروع، أم أنه كشف حدود الجرأة السياسية عندما يتعلق الأمر بمصر؟ ذلك سؤال لن تجيب عنه البيانات، وإنما ستجيب عنه المواقف القادمة.




