تقارير وتحقيقات

السعودية والسودان في مفترق التحولات: الأمن الإقليمي، تعقيدات الحرب، ومستقبل التوازنات في البحر الأحمر

تقرير: التنوير

 

تقرير: التنوير 

 

بيانٌ أربك المشهد وأعاد طرح الأسئلة الكبرى

أثار بيان وزارة الخارجية السعودية الصادر في 7 فبراير 2026 موجة واسعة من الجدل داخل السودان وخارجه، ليس فقط بسبب مضمونه، بل أيضًا بسبب توقيته ودلالاته السياسية. فقد جاء في لحظة إقليمية دقيقة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الاصطفافات الجيوسياسية، ما جعله يُقرأ باعتباره مؤشرًا على تحوّل في المقاربة السعودية للملف السوداني.

وبين من اعتبره اصطفافًا مع سلطة الأمر الواقع، ومن رآه تعبيرًا عن قلق أمني مشروع، ظل السؤال الأهم معلقًا: كيف تنظر الرياض فعليًا إلى الصراع السوداني؟ وهل نحن أمام إعادة تموضع تكتيكي أم خيار استراتيجي طويل الأمد؟

من الوساطة إلى إدارة المخاطر: تطوّر المقاربة السعودية

منذ اندلاع الحرب في السودان، تبنّت المملكة دور الوسيط عبر منبر جدة، وسعت إلى وقف إطلاق النار وتيسير المسار الإنساني. غير أن تعثر المفاوضات، وتكرار انهيار الاتفاقات، دفع الرياض – على ما يبدو – إلى الانتقال من منطق الوساطة المتفائلة إلى منطق إدارة المخاطر.

فالسعودية، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي، لا تنظر إلى السودان باعتباره أزمة بعيدة، بل ملفًا متصلًا مباشرة بأمن البحر الأحمر، واستقرار طرق التجارة، ومنظومة الأمن القومي الخليجي والعربي. ومن هذا المنظور، قد يكون البيان الأخير انعكاسًا لحسابات أمنية معقدة أكثر من كونه إعلان موقف أيديولوجي.

السودان في الحسابات الجيوسياسية للبحر الأحمر

أصبح البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس إقليمي ودولي متصاعد. ومع تصاعد النفوذ الإيراني، والتحركات التركية، وتزايد الاهتمام الروسي والصيني، اكتسب السودان موقعًا محوريًا في معادلة الأمن البحري.

أي اضطراب طويل الأمد في السودان يعني احتمال تمدد جماعات مسلحة، أو فتح ممرات لتهريب السلاح، أو إقامة شراكات عسكرية خارج الإطار العربي التقليدي. وهذه السيناريوهات تمثل كابوسًا أمنيًا لأي دولة مطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها السعودية.

من هنا، يمكن فهم حساسية الرياض تجاه أي تطورات عسكرية أو تحالفات خارجية تُنشأ داخل السودان دون تنسيق إقليمي واضح.

 أخطاء المقاربة السودانية: غياب المشروع الوطني الجامع

في مقابل الحسابات السعودية، لا يمكن تجاهل جانب آخر من الصورة: غياب مشروع وطني سوداني واضح المعالم يخاطب مخاوف الجوار الإقليمي بصورة منهجية.

فالقوى المدنية المناهضة للحرب أخفقت في بناء قنوات مؤسسية دائمة مع الرياض، واكتفت غالبًا بالرهان على حسن النوايا أو الإرث التاريخي للعلاقات الثنائية. أما الأطراف العسكرية، فانشغلت بإدارة المعركة داخليًا، دون تقديم رؤية استراتيجية متكاملة لأمن البحر الأحمر أو لمستقبل العلاقات مع الخليج.

النتيجة أن الفراغ الدبلوماسي السوداني تُرجم إلى تردد سعودي، وربما إلى بحث عن قنوات بديلة تضمن الحد الأدنى من المصالح الأمنية.

شبح الإرهاب والإرث الثقيل للدولة السودانية

لا يمكن تحليل الموقف السعودي بعيدًا عن الإرث التاريخي المرتبط بالسودان في تسعينيات القرن الماضي، حين احتضنت الخرطوم قيادات وجماعات متطرفة تورطت في عمليات إرهابية دولية. ورغم تغير الظروف، فإن ذاكرة الأجهزة الأمنية لا تُمحى بسهولة.

كما أن تقارير عن إعادة تنشيط شبكات أيديولوجية أو تحالفات عابرة للحدود تعزز المخاوف من أن يتحول السودان مجددًا إلى ساحة تنافس بين محاور إقليمية، أو ملاذ لفاعلين غير حكوميين.

وفي ظل تصاعد الاستقطاب في المنطقة، يصبح أي فراغ أمني داخل السودان مصدر قلق مباشر للرياض، التي تخوض منذ سنوات مواجهة مفتوحة مع التطرف بمختلف أشكاله.

 البعد الإنساني: اختبار المكانة الأخلاقية

في المقابل، تبرز مأساة إنسانية متفاقمة داخل السودان، حيث نزح الملايين، وتدهورت الخدمات الأساسية، وانهارت البنية التحتية في عدة ولايات. وهنا يعلو الصوت الأخلاقي، متسائلًا عن دور المملكة بوصفها دولة ذات مكانة روحية وإنسانية خاصة في العالم الإسلامي.

السعودية لطالما قدّمت مساعدات إنسانية سخية للسودانيين، واستضافت ملايين منهم على أراضيها. ومن هذا المنطلق، يتوقع كثيرون أن تلعب دورًا جامعًا، لا يُفهم منه انحياز لطرف عسكري بقدر ما يُقرأ كدفعٍ نحو وقف الحرب وإنقاذ المدنيين.

المعادلة هنا شديدة الحساسية: كيف يمكن الجمع بين الضرورات الأمنية والالتزامات الأخلاقية؟

 التفاوض المنفرد: واقعية سياسية أم مخاطرة استراتيجية؟

قد يُنظر إلى انفتاح الرياض على طرف بعينه بوصفه تعبيرًا عن واقعية سياسية، تستند إلى التعامل مع من يملك مفاتيح القرار الميداني. غير أن مثل هذا الخيار يظل محفوفًا بالمخاطر إذا لم يُقترن برؤية شاملة للحل السياسي.

التجارب الإقليمية تشير إلى أن الرهان على طرف عسكري واحد في نزاع داخلي معقد نادرًا ما ينتج استقرارًا دائمًا. بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج دورة العنف بصورة مختلفة.

لذلك، فإن أي مقاربة سعودية مستدامة للملف السوداني تحتاج إلى توسيع قاعدة التفاعل، لتشمل القوى المدنية، والمجتمعية، ومبادرات السلام المحلية.

 الإعلام والاستقطاب: خطاب الغضب لا يصنع تحالفات

في خضم الجدل، تصاعدت نبرة الخطاب في بعض المنصات الإعلامية السودانية، حيث وُجهت انتقادات حادة للسعودية، وصلت أحيانًا إلى حدود القطيعة الرمزية.

غير أن العلاقات بين الدول لا تُدار بالعاطفة أو بردود الفعل اللحظية. فالخطاب التصعيدي قد يرضي جمهورًا غاضبًا، لكنه لا يحقق مصلحة استراتيجية.

المطلوب – من منظور عقلاني – إعادة صياغة النقاش بعيدًا عن الاتهام، والتركيز بدلًا من ذلك على المصالح المشتركة، وأمن البحر الأحمر، والاستقرار الإقليمي.

ولي العهد والتحول السعودي: تقاطعات ممكنة

يشهد الداخل السعودي تحولات عميقة في إطار رؤية 2030، حيث يُعاد تعريف العلاقة بين الدولة والدين، وتُخاض مواجهة فكرية وأمنية ضد التطرف.

هذا التحول يفتح مساحة تقاطع موضوعية مع أي مشروع سوداني يسعى إلى دولة مدنية حديثة، تنأى بالمؤسسة الدينية عن التوظيف السياسي، وتُخضع السلاح لسلطة الدولة.

ومن هنا، فإن بناء خطاب سوداني يتناغم مع هذا التحول السعودي قد يكون أكثر فاعلية من خطاب يستند فقط إلى استدعاء الروابط التاريخية أو العاطفية.

 نحو معادلة جديدة: الأمن مقابل السلام المستدام

المعادلة الحقيقية التي تواجه السعودية والسودان على السواء ليست اختيار طرف ضد آخر، بل إيجاد صيغة توازن بين الأمن الإقليمي والسلام الداخلي.

السعودية تحتاج إلى سودان مستقر، لا يُشكّل منصة لتهديدات عابرة للحدود. والسودان يحتاج إلى دور سعودي داعم للحل السياسي، لا يُغذي الاستقطاب.

قد يكون المدخل الأنسب لذلك تشكيل إطار حوار إقليمي موسع حول أمن البحر الأحمر، تشارك فيه الأطراف السودانية كافة، ويُربط فيه المسار الأمني بالمسار السياسي والإنساني.

بين الحسابات والمصير المشترك

الأزمة السودانية اليوم ليست شأنًا داخليًا معزولًا، بل عقدة إقليمية تتشابك فيها مصالح متعددة. والموقف السعودي، مهما اختلفت قراءاته، يعكس إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة.

غير أن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر الرهانات الأحادية، بل عبر مشروع وطني سوداني جامع، مدعوم بإرادة إقليمية متوازنة، يضع إنهاء الحرب أولوية قصوى.

ففي نهاية المطاف، تبقى العلاقات بين السعودية والسودان أكبر من بيان عابر، وأعمق من خلاف سياسي. إنها علاقة تاريخ، وجوار، وروابط بشرية وثقافية ممتدة.

وإذا كانت السياسة تُدار بالحسابات، فإن المصير المشترك يُحتّم البحث عن نقطة التقاء، حيث يلتقي الأمن بالعدل، والمصلحة بالسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!