
أحمد العبيد
يشكل التوقيع النهائي على وثيقة التعايش السلمي والصلح بين قبيلتي البني هلبة والسلامات محطة فارقة في تاريخ السلم الأهلي بإقليم دارفور، وخطوة بالغة الأهمية تتجاوز حدود القبيلتين لتخاطب وجدان السودان بأسره. فهذا الاتفاق ليس مجرد تسوية لنزاع محلي أو معالجة لخلاف عابر، وإنما يمثل انتصاراً حقيقياً لقيم الحكمة والعقل والمسؤولية المجتمعية في مواجهة خطاب الفتنة والانقسام، ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها التعايش والتعاون والاحترام المتبادل.
لقد عانت دارفور خلال العقود الماضية من آثار النزاعات القبلية وما خلفته من خسائر إنسانية واجتماعية واقتصادية عميقة. وكانت المجتمعات المحلية هي المتضرر الأكبر من دوامات العنف التي أهدرت الأرواح واستنزفت الموارد وأعاقت فرص التنمية والاستقرار. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية هذا الصلح التاريخي الذي جاء ثمرة لجهود مضنية بذلها القادة الأهليون والإدارات الأهلية والوسطاء والقيادات المجتمعية، الذين أدركوا أن السلام ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة أخلاقية ووطنية لحماية الإنسان وصون النسيج الاجتماعي.
إن القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لا تكمن في إنهاء حالة التوتر فحسب، وإنما في قدرته على إعادة بناء الثقة بين مكونات اجتماعية تربطها أواصر الجوار والتاريخ والمصالح المشتركة. فالوثيقة أرست أسساً جديدة للعلاقة بين الطرفين تقوم على التسامح والتفاهم والتعاون، بما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تتجه فيها الطاقات نحو البناء والتنمية بدلاً من الصراع والخصومات.
كما أن هذا الإنجاز يبعث برسالة بالغة الأهمية إلى مختلف مناطق السودان، مفادها أن الحلول المستدامة لا تُفرض بالقوة ولا تُصنع عبر التصعيد، وإنما تنشأ من إرادة صادقة في الحوار والاعتراف المتبادل واحترام المصالح المشتركة. فكل تجربة سلام ناجحة تؤكد أن المجتمعات قادرة على تجاوز جراحها متى ما توفرت القيادة الحكيمة والرؤية المسؤولة والإرادة الجماعية التي تقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
ومن الدلالات المهمة لهذا الاتفاق أنه أعاد الاعتبار للدور الوطني للإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية باعتبارها أحد أهم أدوات صناعة الاستقرار الاجتماعي. فقد أثبتت التجربة أن المبادرات التي تنبع من داخل المجتمعات المحلية تكون أكثر قدرة على معالجة جذور الأزمات وأكثر قابلية للاستمرار من الحلول المؤقتة التي لا تستند إلى توافق مجتمعي واسع.
غير أن المحافظة على هذا الإنجاز تتطلب جهداً متواصلاً يتجاوز مراسم التوقيع والاحتفالات الرمزية. فالسلام الحقيقي يُقاس بمدى الالتزام العملي ببنود الاتفاق، وبالقدرة على تحويله إلى واقع معاش ينعكس على حياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم. كما أن إشراك الشباب والنساء في جهود تعزيز التعايش وترسيخ ثقافة الحوار يمثل أحد الضمانات الأساسية لحماية هذا المكسب التاريخي من أي انتكاسات مستقبلية.
إن الصلح بين البني هلبة والسلامات يمثل نموذجاً مضيئاً لما يمكن أن يحققه السودانيون عندما ينتصرون لصوت العقل على ضجيج الصراع، ولمنطق التفاهم على دعاوى الفرقة والانقسام. وهو دليل جديد على أن السلام الأهلي يظل الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني يسعى إلى بناء دولة مستقرة ومجتمع متماسك.
وبقدر ما نحتفي اليوم بهذا الإنجاز الكبير، فإننا نأمل أن يكون بداية لسلسلة من المبادرات المماثلة التي تعزز السلم الاجتماعي في مختلف أقاليم السودان، وتؤكد أن المستقبل لا تصنعه البنادق والمدافع، بل تصنعه الحكمة والإرادة الصادقة والقدرة على تحويل التنوع إلى مصدر قوة ووحدة واستقرار.




