رأي

دار حمر و إستعادة المعنى الوطني!عندما تعود “فروة النمر” إلى سيرتها الأولى 

فاطمة لقاوة

 

 فاطمة لقاوة

لم تكن “دار حمر” عبر تاريخ السودان مجرد مساحة جغرافية في غرب كردفان، بل كانت نموذجاً حياً لفكرة السودان نفسه؛ وطناً يتسع للتنوع، ومجتمعاً يصنع وحدته من إختلاف مكوناته، ومن قلب هذه الدار ظلت النهود منارةً للعلم والثقافة والإدارة، ومركزاً لإنتاج القيادات الوطنية التي أسهمت في بناء الدولة السودانية في مختلف الميادين السياسية والإدارية والثقافية،غير أن السنوات الأخيرة من عهد النظام السابق ألقت بظلالها الثقيلة على المنطقة، عندما تسللت الحسابات السياسية الضيقة إلى النسيج الاجتماعي، فعملت على تحويل التنوع الجميل إلى صراع، والأخوة الصادقة إلى إستقطاب، والمجتمع المتسامح إلى ساحة تنازع تخدم أجندات لا علاقة لها بمصالح المواطنين. التجارب الكبرى كثيراً ما تعيد المجتمعات إلى جوهرها الحقيقي، وهذا ما حدث خلال سنوات الحرب الأخيرة-(حرب ١٥أبريل)- التي كشفت معادن الرجال وفرزت المواقف وأعادت ترتيب الأولويات،و في هذا السياق، جاءت زيارتنا الإجتماعية لأهلنا وفد الإدارة الأهلية لدار حمر في مقر إقامتهم أمس برفقة رئيس الإدارة المدنية بولاية غرب كردفان الشاب الخلوق الأستاذ يوسف علينا، والرجل العُصامي صاحب المواقف الواضحة”بكري البرجو”وعدداً من القيادات والرموز المجتمعية ، لتؤكد أن الولاية تمضي بخطوات ثابتة نحو تجاوز آثار الإنقسام وإستعادة روح التعايش التي عُرفت بها تاريخياً.

كانت المناسبة الأبرز في هذة الزيارة هي اللقاء الجامع مع وفد الإدارة الأهلية لدار حمر، الذي تقدمته قيادة شابة ممثلة في الناظر إسماعيل محمد الشيخ منصور، فقد جاء هذا القائد الشاب إلى موقع المسؤولية في ظروف إستثنائية ومعقدة، لكنه إستطاع أن يقدم نموذجاً متوازناً يجمع بين حيوية الشباب وحكمة القيادة، محافظاً على وحدة القبيلة ومكانتها التاريخية ودورها الوطني،و لعل أكثر ما منح اللقاء قيمته الرمزية هو ذلك التنوع الواسع الذي جسده الوفد،فمن أبوزبد حضر الشرتاي أحمد علي عديل، ومن الأضية الشرتاي عبدالله ضوالبيت ممثلاً للبديرية، ومن غبيش شارك الشرتاي محمد حمد كرجة، والسلطان عثمان أبوه سلطان البرتي، والعمدة عبدو محمد يعقوب ممثلاً لقبيلة ترجم، وعمدة الرزيقات أزيرق هارون، والعمدة محمد الفاتح الحسن التجاني ممثلاً للقرعان، إلى جانب الشرتاي مرحبا الطاهر أبوتاتول والشرتاي إسماعيل محمد الشيخ عبيدالله،إما النهود فقد مثلتها قيادات أهلية بارزة ضمت الشرتاية عبدالكريم حمد أبودكة، والشرتاي محمد حمدان من البديرية، وسلطان الدينكا الثامن بالنهود لبن بيك مجاك، الذي يجسد حضوره الممتد داخل الإدارة الأهلية منذ عام 2011 عمق التداخل الاجتماعي وروح المواطنة التي طالما ميزت المنطقة، ومن ودبندا والمجرور شارك الزعيم حسن حامد خليفة، والشرتاي حامد حماد، وفضيلي خمسين، والشرتاي حسن عبدالرحمن صليل، بينما حضرت رموز المصالحات والعمل الأهلي ممثلة في الشرتاي عبدالرحمن إيدام، والفاتح مرة، والهادي عطيرينة، والشيخ عادل آدم المكي ممثل الخلاوي، والشيخ الضي فاكوكي من الخوي،كما ضم الوفد قيادات تنفيذية وإقتصادية بارزة، من بينهم الدكتور منعم حامد منعم المدير التنفيذي لمحلية النهود، وسليمان الصادق المدير التنفيذي لمحلية غبيش، وآدم النضيف وزير الرعاية، وعادل آدم محمد خير ممثل الغرفة التجارية بغبيش، والزعيم الصادق عمر، ومحمد أحمد نميري مدير إدارية أبوقلب.

لم يغب البعد الأمني والعسكري عن هذه اللوحة الجامعة، حيث شارك اللواء حامد عبدالغني، وقائد المجموعة 26 عيسى آدم الحسين، والجنرال حمد سلامة، والجنرال قدريش، وقدورة، ومرجب الطاهر أبوتاتول، في رسالة واضحة تؤكد أن الأمن والإستقرار والتنمية والمصالحة ليست مشاريع منفصلة، بل حلقات متكاملة في عملية بناء المجتمع.

القيمة الحقيقية لهذا الوفد لا تكمن في عدد الحاضرين أو مواقعهم الرسمية فحسب، بل في الرسالة التي حملها،فقد قدم نموذجاً عملياً لوحدة المجتمع المحلي وقدرته على تجاوز جراح الماضي، وأثبت أن دار حمر ما زالت تحتفظ بخصائصها التاريخية التي جعلت منها “فروة النمر”؛ تلك اللوحة المتعددة الألوان التي تتكامل فيها المكونات المختلفة دون أن يفقد أي منها خصوصيته.

ما شهدناه بالأمس من لقاء ودي حميم ليس مجرد مناسبة إجتماعية عابرة، بل مؤشر سياسي ومجتمعي بالغ الأهمية يؤكد على أن الولاية بدأت تستعيد توازنها، وأن الإدارة الأهلية والقيادات المدنية والعسكرية والمجتمعية باتت أكثر وعياً بضرورة حماية السلم الإجتماعي وإغلاق أبواب الفتنة التي أرهقت الإقليم لسنوات، وعندما ننظر إلى هذه الصورة الجامعة بكل تفاصيلها، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً وأملاً: هل بدأت دار حمر تستعيد سيرتها الأولى؟.

الواقع يقول إن المؤشرات إيجابية، والإرادة موجودة، والقيادات المجتمعية تبدو أكثر إدراكاً لحجم المسؤولية، أما “فروة النمر” التي حاولت العواصف أن تشتتها، فقد بدأت بالفعل تستعيد بريقها القديم، لتعود كما كانت دائماً: حضناً للجميع، ومنارة للتعايش، ونموذجاً لسودان يسع أبناءه كافة.

ولنا عودة بإذن الله

الأربعاء،٢٤يونيو/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!