رأي

عندما تتحدث أماني الطويل وتصمت عن الدم

ايمان بدر الدين

 

 إيمان بدرالدين

في السياسة، ليست المشكلة في الاختلاف بالرأي، وإنما في الانتقائية التي تجعل البعض يرى جزءاً من الحقيقة ويغض الطرف عن الجزء الآخر. وحين تتصدر الدكتورة أماني الطويل المشهد الإعلامي للحديث عن السودان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ماذا قالت، بل ماذا تجاهلت عمداً أن تقول؟

ففي الوقت الذي تتدفق فيه التصريحات والتحليلات حول تطورات المشهد السوداني، ما زال الرأي العام ينتظر موقفاً واضحاً وصريحاً من الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون السودانيون في مناطق التعدين بالأنصاري والعلاقي وغيرها من المناطق الحدودية. فهذه الأحداث التي خلفت ضحايا مدنيين وأثارت غضباً واسعاً داخل السودان لا يمكن التعامل معها بالصمت أو التجاهل أو القفز فوقها إلى قضايا أخرى.

إن المصداقية السياسية والأخلاقية تقتضي أن يكون الموقف واحداً تجاه كل الانتهاكات، لا أن تتحول المعايير إلى أدوات انتقائية تستخدم وفقاً للمصلحة السياسية. فالدفاع عن حقوق الإنسان لا يتجزأ، وإدانة استهداف المدنيين لا ينبغي أن تخضع لحسابات الجغرافيا أو الانتماء السياسي أو المصالح الإقليمية.

لقد ظل كثير من السودانيين يتابعون بقلق متزايد ما يعتبرونه تدخلاً مستمراً في الشأن السوداني من بعض النخب السياسية والإعلامية المصرية، وهي تدخلات لا تسهم في بناء الثقة بين الشعبين، بل تكرس الشكوك وتعمق الإحساس بوجود رؤية استعلائية تتعامل مع السودان بوصفه ساحة نفوذ لا دولة ذات سيادة كاملة وحقوق أصيلة.

وإذا كانت العلاقات بين السودان ومصر علاقات تاريخية وجوار ومصالح مشتركة، فإن هذه العلاقات لا يمكن أن تستقيم إلا على قاعدة الاحترام المتبادل والاعتراف الكامل بسيادة كل دولة على أراضيها ومواردها وقرارها الوطني. أما محاولات الوصاية السياسية أو تجاهل معاناة السودانيين حين تتعارض مع المصالح المصرية، فإنها لا تخدم مستقبل العلاقات بين البلدين.

إن القضية اليوم ليست قضية تصريحات إعلامية عابرة، بل قضية خطاب كامل يحتاج إلى مراجعة. خطاب يتحدث كثيراً عن استقرار السودان، لكنه يتجنب الحديث عن الأسباب الحقيقية لعدم الاستقرار. ويتحدث عن الحلول السياسية، لكنه يتردد في ممارسة أي ضغط جاد على الأطراف التي ترفض إيقاف الحرب أو الانخراط في مسار سلام حقيقي.

لقد أثبتت التجربة أن السودانيين قادرون على تشخيص أزمتهم والدفاع عن مصالحهم الوطنية، وهم يدركون جيداً أن احترام السيادة الوطنية ليس شعاراً للاستهلاك السياسي، بل مبدأ أساسي لا يقبل المساومة. ولذلك فإن أي حديث عن مستقبل السودان يجب أن يبدأ أولاً بالاعتراف بحق السودانيين في إدارة شؤونهم بعيداً عن الوصاية والتدخلات الخارجية.

أما الذين يطالبون السودانيين بالصمت على ما يرونه انتهاكاً لحقوقهم أو اعتداءً على مواطنيهم وأراضيهم، فإنهم يطلبون المستحيل. فالشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، وقد تختلف، لكنها لا تتخلى عن حقها في الدفاع عن كرامتها وسيادتها الوطنية.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من التصريحات، بل المزيد من الحقيقة. فالحقيقة وحدها هي التي تبني جسور الثقة، أما الانتقائية وصمت المصالح فلن يورثا سوى مزيد من الاحتقان والتباعد بين الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!