التحول في الموقف الدولي وتفكيك لغة التصعيد المقابلة الصادرة من بورتسودان. عرقلة ممنهجة.. واجهة الجنرالات وعقيدة “الحركة الإسلامية”
عماد جدو

عماد جدو
لم تكن شهادة مسعد بولس اليوم مجرد تقرير دبلوماسي عابر، بل كانت بمثابة صك إدانة صريح لتعنت قيادة الجيش السوداني. وأكد بولس في إفادته أن جنرالات مجلس السيادة باتوا يشكلون العائق الأساسي أمام كافة المبادرات الدولية والإقليمية الرامية لوقف نزيف الدم.
وجاء الرفض المباشر اليوم من قِبل سلطة بورتسودان للمبادرتين الرباعية والخماسية ليؤكد المؤكد: قيادة الجيش لا تملك الإرادة السياسية، بل إن قرارها مرتهن بالكامل لأجندة الحركة الإسلامية الداعشية السودانية، التي تغلغلت في مفاصل القرار العسكري وتدفع نحو خيار “الحرب الشاملة” للحفاظ على مصالحها التنظيمية، متخذة من مؤسسة الجيش غطاءً سياسياً وعسكرياً.
مقتطف من الأجواء الدولية: “إن رفض المبادرات الإقليمية المتتالية يثبت أن قرار السلم والحرب في السودان لم يعد بيد المؤسسة العسكرية الوطنية، بل اختطفته جماعات أيديولوجية متطرفة تقتات على استمرار أشلاء الوطن.”
خطاب البرهان اليوم: الهروب إلى الأمام بـ”موجة إبادة سياسية”
وفي التوقيت نفسه، وبدلاً من التفاعل الإيجابي مع التحركات الأممية، خرج الجنرال عبد الفتاح البرهان اليوم بخطاب تصعيدي، حمل نبرة “انتحارية” سياسياً، أعلن فيه بوضوح أن “نهاية الحرب لن تكون إلا بالقضاء التام على قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها”.
هذا الخطاب يمثل تحولاً خطيراً
إعلان صريح برفض السلام: يغلق الخطاب الباب تماماً أمام أي أفق للحل التفاوضي (مثل مسارات جنيف أو جدة أو المبادرات الإفريقية).
توسيع دائرة الاستهداف: الحديث عن “القوات المتحالفة” هو ضوء أخضر لتصفية القوى المدنية، الديمقراطية، وحركات الكفاح المسلح التي ترفض لغة الحرب وتدعو للتحول المدني.
تبني خطاب “الحركة الإسلامية”: يتطابق هذا الموقف حرفياً مع فتاوى وخطابات قادة النظام البائد (كتائب البراء وعناصر المؤتمر الوطني) الذين يرفعون شعار “بل بس” ويرفضون أي صيغة للتعايش أو الحلول الوسطى.
المبادرة الرباعية والخماسية.. الفرصة المهدورة
الرفض السوداني اليوم للمقترحات الرباعية والخماسية يعكس رعب الجنرالات ومن خلفهم التنظيم الإسلامي من أي رقابة دولية أو قوات حفظ سلام أو ممرات إنسانية ملزمة. فوجود مجتمع دولي يراقب الأرض يعني ببساطة
وقف الانتهاكات والقصف الجوي العشوائي ضد المدنيين.
محاسبة أمراء الحرب والواجهات المتطرفة.
فتح المسارات الإغاثية لإنقاذ ملايين السودانيين من المجاعة الشاملة.
مواجهة الحقيقة العارية
لقد وضعت جلسة مجلس الأمن اليوم المجتمع الدولي أمام مسؤوليته التاريخية؛ فالإفادات الدولية، وعلى رأسها ما تقدم به مسعد بولس، تثبت أن الأزمة في السودان ليست مجرد نزاع بين طرفين عسكريين، بل هي اختطاف لقرار الدولة من قِبل تحالف عسكري-إسلاموي متطرف يرى في السلام فناءً لوجوده.
خطاب البرهان اليوم بالقضاء التام على الآخر ليس علامة قوة، بل هو لغة العاجز عن تقديم مشروع سياسي، والمُحاصر دولياً وإقليمياً، والذي يختار تفخيخ الوطن بالكامل والمخاطرة بتقسيمه، فقط من أجل أن يبقى الجنرالات في مقاعدهم، ولو كان ذلك فوق ركام السودان.




