القائد عبدالعزيز الحلو في خطابه الأخير: سمو الرؤية وعقبات الطريق نحو إعادة تأسيس وطن متسامح يسع الجميع (!)
عباس احمد السخي


في لحظة تاريخية تتعاظم فيها أهوال الحرب وينكشف زيف الدولة السودانية المركزية، جاء خطاب القائد عبدالعزيز آدم الحلو في 2 يوليو 2025 كمرافعة سياسية جريئة تحمل رؤية متماسكة لإعادة تأسيس السودان على أنقاض دولة الغلبة والاستعلاء العرقي والديني. لم يكن الخطاب مجرد إعلان موقف، بل وثيقة فكرية عميقة أعادت تعريف جذور الأزمة السودانية، وقدّمت مشروعًا تحرريًا يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية والعلمانية والديمقراطية اللا مركزية، متكئًا على إرث الحركة الشعبية وتجاربها، ومفتتحًا أفقًا جديدًا لتحالف السودان التأسيسي باعتباره رافعة استراتيجية نحو إعادة بناء وطن يَسَع الجميع. وبين استدعاء الذاكرة التاريخية وتحليل الراهن واستشراف المستقبل، رسم الحلو معالم طريق طويل ومُعقد، لكنّه ممكن، نحو سودان جديد تُهدم فيه بُنى الإقصاء، وتُقام على أنقاضها دولة الحرية والسلام والتنوّع؛ وفي ذلك يمكننا الإشارة إلى الاتي:-
أولاً: مقدمة عامة – خطاب في لحظة فاصلة
جاء خطاب القائد عبدالعزيز الحلو في توقيت سياسي وميداني بالغ الحساسية، حيث تشهد البلاد حربًا شاملة كشفت عمق التشوهات البنيوية في الدولة السودانية، وفاقمت من حالة التمزق الاجتماعي والسياسي. ومن هذه الزاوية، فإن الخطاب لا يُعد بيانًا سياسياً اعتيادياً بقدر ما هو وثيقة تحليلية ومرجعية فكرية، تجمع بين نقد جذري لتاريخ الدولة السودانية وتقديم مشروع بديل يؤسس لعقد اجتماعي جديد. لقد قدم الحلو، بلغة متماسكة ومباشرة، ما يمكن اعتباره تأصيلاً سياسيًا وأخلاقيًا لرؤية “السودان الجديد”، ضمن سياق تحالفي أوسع مع قوى “السودان التأسيسي”، ليؤكد أن المعركة الحالية ليست من أجل إسقاط حكومة أو تغيير نخب، بل من أجل تفكيك بنية قديمة جائرة، وإعادة بناء الوطن من جديد على أسس العدالة والمواطنة المتساوية.
ثانيًا: تشريح جذور الأزمة السودانية – من الاستعمار إلى المركز
استهل الحلو خطابه بطرح سردية تاريخية تشكل الأساس الفلسفي والسياسي لموقف الحركة الشعبية؛ إذ حمّل ما يُعرف بالدولة السودانية الحديثة، منذ الغزو التركي المصري وحتى لحظة ما بعد الاستقلال، مسؤولية صناعة واقع التهميش والتمييز العرقي والديني والثقافي. ويشير الخطاب بوضوح إلى أن الأزمة لم تكن يومًا خلافًا على السياسات، بل كانت وما تزال تجليًا لصراع بنيوي بين مركز احتكاري وهامش مقصي.
وقد أعاد الحلو قراءة التاريخ الوطني من منظور الضحايا لا المنتصرين، مبرزًا كيف أن النخب المركزية منذ الاستقلال واصلت استغلال مكونات اجتماعية بعينها في معارك السيطرة، عبر سياسات فرق تسد، في جنوب السودان سابقًا، وفي دارفور وجبال النوبة والفونج لاحقًا. ويتهم الخطاب هذه النخب بأنها لم تكتف بالإقصاء، بل لجأت إلى “عسكرة التعدد”، أي تحويل التنوع الإثني والثقافي إلى أدوات للقتال الداخلي، للحفاظ على السلطة والثروة.
وهذا التأصيل التاريخي لا ينطلق من الحنين إلى المظلومية، بل يؤسس لمشروعية سياسية ورمزية لمطلب إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تجعل من الاعتراف بالتنوع لا التماثل أساسًا للوحدة.
ثالثًا: تحالف “تأسيس” – الرهان على الثورة المؤسسية
ينظر الحلو إلى “تحالف السودان التأسيسي” كإطار تحالفي استراتيجي لا غنى عنه لتحقيق غايات الحركة، فهو ليس تحالفًا تكتيكيًا بل منصة لإعادة صياغة مفهوم الدولة السودانية من جذوره. ويصف “تأسيس” بأنه تحالف يسعى لتفكيك البنية العميقة للدولة القديمة، بما في ذلك مؤسساتها العسكرية والدينية والأيديولوجية.
ويُبرز الخطاب أن المعركة مع تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها من تبقى من النظام البائد، ليست معركة وجودية فحسب، بل معركة قيم ومفاهيم، لأن الإسلاميين – حسب قوله – استخدموا الدين أداةً للهيمنة والتقسيم والإبادة، وليس للعدالة والرحمة، مشيرًا إلى ضحايا الحروب في جنوب السودان والهامش كدليل قاطع على توظيف العقيدة في مسارات الفساد والاستبداد.
ويعد هذا التحديد الواضح للعدو السياسي – أي منظومة الإسلام السياسي – أمرًا نادرًا في الخطابات السودانية، التي تميل غالبًا إلى الغموض أو التوفيق بين المتناقضات، ما يعطي خطاب الحلو تميزًا أخلاقيًا وحزمًا أيديولوجيًا يليق بطبيعة المعركة.
رابعًا: الدولة البديلة – ملامح “السودان الجديد”
يطرح الحلو بديلاً واضحًا للواقع القائم، تحت شعار “السودان الجديد”، وهي فكرة ليست مستحدثة بل تجد جذورها في أدبيات الحركة الشعبية منذ 1983، لكن الخطاب الراهن يعيد تكييفها ضمن السياق الحالي ويمنحها أدوات تنفيذ من خلال تحالف سياسي – عسكري منظم.ومن أبرز ملامح هذه الدولة المنشودة؛ علمانية الدولة وفصل الدين عن السياسة، ديمقراطية لا مركزية تضمن تمثيل الجميع، عقد اجتماعي جديد يعترف بالتنوع الإثني والثقافي، جيش وطني مهني خالٍ من الأدلجة والطائفية، وهوية “سودانوية” تعكس التعدد وتلغي الامتيازات العرقية والدينية.
ويستند هذا المشروع إلى وثيقتين أساسيتين: “ميثاق السودان التأسيسي” و”دستور السودان الانتقالي 2025”، واللتين تعدّان بمثابة العهد الجديد الذي تقترحه الحركة لبناء دولة العدالة والمساواة.
خامسًا: جبال النوبة والنموذج الاجتماعي – مواجهة “أدلجة الولاء”
يولي الخطاب اهتمامًا خاصًا لإقليم جنوب كردفان/ جبال النوبة، بوصفه مختبرًا للتنوع وتجربة تاريخية في التعايش السلمي. ويقدم الحلو هذا الإقليم كنموذج لما يمكن أن يكون عليه السودان في حال نُفذت الرؤية التي يدعو إليها؛ وحدة طوعية، توزيع عادل للثروة، سلام اجتماعي.
لكن في المقابل، حذر الخطاب من التوظيف الماكر لهذا التنوع من قِبل المركز، وذلك في سياق حديثه عن تعيين الفريق حسن كبرون وزيرًا للدفاع، واصفًا ذلك بأنه محاولة لخلق ولاءات إثنية داخل الجيش لصالح ما يُسمى “حكومة بورتسودان”، وتفريغ التمثيل من مضمونه الحقيقي. ويرى أن هذه الخطوة هدفها تقسيم الحاضنة الشعبية للحركة وتشتيت ولاء النوبة.
وتُعد هذه الفقرة من أقوى أجزاء الخطاب سياسيًا، لأنها تربط بين رمزية التمثيل ومخاطر التوظيف السياسي للهوية في لحظة شديدة التعقيد، وهي مسألة لطالما مثّلت تحديًا في السياسة السودانية.
سادسًا: من المقاومة المسلحة إلى بناء السلام
أكد الحلو أن الحرب التي تخوضها الحركة وتحالف “تأسيس” ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لفرض معادلة جديدة تنتهي بإعادة تأسيس الدولة على قواعد العدالة. ويشير إلى أن الحركة تمتلك سجلًا طويلًا في توقيع اتفاقيات السلام المحلية مع مكونات الإقليم المختلفة (الحوازمة، المسيرية، النوبة، الأحزاب القومية…)، ما يعكس استعدادها الدائم لبناء السلام الحقيقي لا السلام المزيف القائم على المحاصصات.
كما يرفض الخطاب التسويات الهشة، ويؤكد أن معركة الحركة ليست من أجل “حصة في الدولة”، بل من أجل “دولة جديدة”، ما يضعها في خانة الحركات التحررية لا الحركات المطلبية، ويمنح خطابها مصداقية إضافية، خاصة في أوساط الشباب والنشطاء المدنيين الباحثين عن مشروع متكامل لا عن “نخبة بديلة”.
سابعًا: العقبات والتحديات في الطريق
ورغم سمو الرؤية واتساق المنطق السياسي، لا يتجاهل الخطاب أن الطريق نحو إعادة بناء السودان الجديد محفوف بالعقبات، من أبرزها؛ استمرار تحالف القوى التقليدية في المركز وتمرسها في اللعب بورقة الهويات والانقسامات، تردد بعض القوى المدنية في تبني خيارات واضحة بشأن قضايا العلمانية وتوزيع السلطة، صعوبة خلق توازن عسكري وسياسي في ظل وجود جيوش متعددة تتحرك وفق أجندات متباينة، محاولات النظام في بورتسودان لاختراق الهامش وإعادة إنتاج الاستتباع والولاءات الإثنية.
وهنا تكمن قوة الخطاب في واقعيته، إذ لا يكتفي بطرح الحلم، بل يقدّم تصورًا واضحًا للتحديات التي تعوق تحقيقه، داعيًا إلى وعي جماعي وشراكة نضالية تمتد أفقياً بين القوى المهمشة.
خاتمة: الحلو… بين استحقاقات الرؤية ومخاطر العزلة
إن خطاب عبدالعزيز الحلو لا يمكن قراءته بمعزل عن التاريخ النضالي للحركة الشعبية ولا عن السياق السياسي الراهن، لكنه في الوقت نفسه ليس تكرارًا لمقولات ماضوية، بل هو مشروع متجدد يعرض على السودانيين فرصة نادرة لإعادة التأسيس.
إنه خطاب قيادة لا تصالح، ورؤية لا تساوم، وموقف لا يبحث عن تسوية تحت الطاولة. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المشروع يتوقف على قدرته على الانتقال من الإطار العسكري – التحالفي إلى أفق شعبي مدني واسع، يتجاوز الجغرافيا السياسية لجبال النوبة ليشمل السودان كله.
كما إن سمو الرؤية لا يكفي وحده. فلا بد من حشد الحلفاء، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتجنب الوقوع في أسر الإيديولوجيا أو الخطاب التعبوي. وعلى الرغم من كل العقبات، فإن الحلو – بما يمثله من رمز ونزاهة وتجربة – لا يزال أحد أبرز القادة الذين يمكن أن يُراهن عليهم لبناء وطن متسامح يسع الجميع.




