رأي

دولة ما بعد الاستعمار فشل تاريخي وصراع ممتد

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة 

“لا يمكن بناء وطن على الزيف، لأن الحقيقة وحدها قادرة على الصمود أمام الزمن.”

نيلسون مانديلا

منذ خروج المستعمر الأجنبي، ورثت النخبة الحاكمة في السودان دولة وُلدت مشوهة في العام 1956، دولة لم تكن انعكاساً لتطلعات الشعوب السودانية ولا ثمرة لنضالها، بل نسخة باهتة من استعمار وطني كرّس الفشل وأدمنه حتى صار طبعاً راسخاً في بنيتها. هذه الدولة لم تكتفِ بإقصاء الأغلبية الساحقة من شعوب السودان، بل عمدت إلى تزوير التاريخ وطمس الذاكرة الجمعية وتغذية الوهم بأنها صاحبة شرعية وطنية، بينما كانت في حقيقتها مجرد أداة لاستمرار الامتيازات الضيقة للنخب المركزية وحلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم مصر الرسمية.

لم يكن العيب في الشكل السياسي فحسب، بل في جوهر القيم التي غابت تماماً. فدولة ما بعد الاستعمار لم تؤسس على عقد اجتماعي جامع، وإنما على مركزية استئثرت بالقرار السياسي والثروة والسلطة، وجعلت الجيش أداة قمع وبطش بالشعوب السودانية. ارتكب هذا الجيش فظائع وجرائم في الريف والهامش، وأُطلق في مواجهات غير متكافئة ضد المواطنين لا لحماية الوطن، بل لحماية سلطة نخبوية متكلسة. وهكذا تحوّل الجيش، بدلاً من أن يكون مؤسسة قومية، إلى درع للنخبة وذراع للبطش.

الأدهى أن هذه الدولة مارست سياسة “فرق تسد” بدهاء مدهش، فأشعلت الحروب الأهلية في الأطراف، لكنها كانت حروباً تطحن شعوب الهامش وحدها، فيما ظل المركز بمنأى عن الدمار. وحين علت أصوات الرفض والاحتجاج، لم تجد الدولة سوى أدواتها القديمة: القمع، تزييف الوعي الجمعي، والتجهيل الممنهج. بهذا ظلت الأزمة تعيد إنتاج نفسها، وها نحن اليوم نرى الحروب المستمرة في بلادنا امتداداً لذلك النهج الذي لا يريد أن يعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

إن دولة 56 لم تكن سوى عائقٍ صلد أمام بناء مشروع وطني جامع، مشروع يتجاوز ضيق الأيديولوجيا والنخبوية ليعبر عن أشواق وتطلعات المجموع السوداني في العدالة والمواطنة المتساوية. مؤسساتها كانت وما زالت منحازة لمصالح كيانات اجتماعية ضيقة، وجيشها ظل قاتلاً للشعوب وناهِباً للثروات، بينما بقيت مصر الرسمية حاضرة في كل المبادرات والمنابر، لا لخدمة السودان بل لضمان مصالحها، ولو كان الثمن المزيد من دماء السودانيين.

لقد وُسم الهامش بالتمرد ظلماً، وأُقصي من دوائر الفعل السياسي قسراً، لكن الوعي تنامى، ولم يعد ممكناً الاستمرار في صناعة الوهم وتكريس الظلم، حتى وإن ظلت الحرب مستعرة. إن الشعوب السودانية تملك اليوم وعياً متقدماً بحقوقها، ولن يكون في مقدور أي نخبة، ولا أي دولة ورثت الاستعمار وتلبّست روحه، أن توقف عجلة التاريخ وهي تمضي نحو مشروع قومي وحدوي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!