
اسماعيل عبدالله
نشأنا وترعرعنا تحت ظل دولة واحدة حتى العام 2011 حين استقل جنوب السودان، حينها أيقنا أن وحدة السودان لم تعد ذلك الحلم الرومانسي الذي عشنا فيه واعتقد فيه آباؤنا، وتأكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن ما بقي من السودان من بعد ذهاب الجنوب لن يصمد طويلاً إذا لم ترعوي النخبة السياسية، قكل أسباب الانقسام الأميبي ماثلة للعيان، فدارفور كانت تقصف قراها بطائرات الحكومة التي تفاوض الجنوبيين في نيفاشا، ما أكد على أن الجرح الوطني غائر في جميع أجزاء الوطن، ترهل جسد الوطن الجريح المثقل بالجراح حتى انفجرت ثورة ديسمبر التي تآمرت عليها النخبتان العسكرية والسياسية المدنية اللتين كانتا تمارس النفاق والكذب والانتهازية باسم الوحدة ولم تكونا تمحلان أية قيمة ولا أمانة أخلاقية لتحمل مسؤولية هذه الوحدة المفترى عليها، وتجلت هذه الحقيقة المرة بعد أن أشعلت النخبتان الحرب سعياً منهما للحفاظ على شكل الدولة القديم، الذي رفضه الثوار وأرادوا تغييره للأبد، فتحالف اليمين واليسار الذي صدع رؤوسنا منذ أبام الجبهة المعادية للاستعمار بحرصه على رتق ثوب الوحدة الوطنية والدفاع عنها، حتى كشفته ثورة ديسمبر حين خرج عن اجماع قوى الحرية والتغيير الحاضن السياسي للحراك الثوري، وخدم الخط العسكري الساعي للانقضاض على اهداف الجماهير فشارك الانقلابيين حكومتهم غير الشرعية وارتكب خطيئة مناصرة الحرب.
لكي لا يذهب غرب السودان كما ذهب الجنوب وللحفاظ على الوحدة، من الضرورة بمكان أن تعمل القوى المدنية والسياسية المساندة لمعسكر الحرب، الخروج من هذا المعسكر البائس، وعليها أن تختار ما بين المعسكرين المدنيين– “صمود” و”تأسيس”، هذا أولاً، وثانياً التحرر من ربقة الاستعمار المصري، وهذا لن يتم الا بزوالها كسلطة أمر واقع كائنة في بورتسودان وخاضعة لمصر، وهنا لن يكون الا بالكفاح المسلح الذي يتعبر في هذه الحالة فرض عين، يقم به كل بطريقته، حتى تلتقي قوى الكفاح المسلح جميعها في مركز القرار المختطف سواء بورتسودان أو الخرطوم، فالكفاح المسلح ليس بالضرورة أن تمثله الحركة الشعبية وحركات دارفور وقوات الدعم السريع فقط، ما زال الجو ملائماً لبروز حراك وطني مسلح يدعم تحرير السودان ويحفظ وحدته ويصون كرامته، خاصة وأن القاعلين الثلاثة آنفي الذكر قد شاب تجاربهم النقص، المتمثل في تحوصلهم في جغرايا معينة، فالحركة الشعبية اكتفت بالنيل الأزرق وجبال النوبة والدعم السريع وحركات دارفور اكتفوا بكردفان ودارفور، وهذا التحوصل في حد ذاته تكريس لاتجاه الانفصال، وداقع لقوى الشر من بقايا النظام القديم واليسار المتماهي للمضي قدماً في التبشير بمشروع الانفصال، فحراك السلطتين – بورتسودان ونيالا – لا يدعم خط الوحدة بأي حال من الأحوال ولابد من طريق ثالث يكسر جمود دائرة هذا الحراك العقيم الذي لا يخدم الوحدة.
“ترس الشمال” وبناء على حرصه الوطني وبذرة الخير التي فيه يمكن أن يكون نواة لكفاح مسلح بالتضامن مع حركات التحرر الوطني الشرقاوية النائمة بعد يقظتها، فشرق السودان به نزعة وطنية وحدوية منذ ثورة لتحرر الوطني الأولى قبل أكثر من قرن، ويتمتع بوضع مأمول يمكنه إحداث الفرق الجوهري باستغلال كتلته الحرجة المناهضة للانتهازيين من أبنائه – ضرار وترك، فوحدة السودان لها بعد تاريخي مرتبط بثورة التحرر الوطني الأولى التي قادها الإمام المهدي عليه السلام، ولها شعاب ثلاث – الشرق والشمال والغرب، فالغرب قد حزم أمره، وتبقت شعبتان، هما الشرق والشمال، فهما اللتان سوف تحسمان الجدلية، ومن لا يملك هلب مركوز عميقاً في التاريخ، لا يستطيع الحفاظ على استقرار وتوازن مركبه وهو رابض خلف البيوت الخشبية، وكذلك لن يكون بمقدوره الانطلاق نحو موانئ المدن النفطية، هذه استحقاقات الوحدة المنشودة، فالوحدة ليست اشواق يتغنى بها حسن خليفة العطبراوي، ولا أشعار يقرضها محمد الحسن سالم حميد، إنّها إرادة وروح مكافحة ومؤمنة بما سطره الوطنيون الأوائل من أمجاد رواها المراسلون الحربيون للإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس ، لفا تتركوا للأقلية الجهوية العنصرية المجال لتقرر مصير أمة الأمجاد.



