رأي

جلد الأطفال في الخلاوي والمدارس… حين يتحول التأديب إلى صناعة للخوف

عماد أغبش

 

عماد أغبش

ليست الأمم العظيمة تلك التي تمتلك الجيوش الأقوى أو الاقتصادات الأكبر، بل تلك التي تعرف كيف تحمي أطفالها وتصون كرامتهم منذ سنواتهم الأولى. فالطفولة ليست مرحلة عابرة في حياة الإنسان، وإنما هي الأساس الذي تُبنى عليه شخصيته، ويُرسم من خلاله مستقبل المجتمع بأكمله. ومن هذا المنطلق، تبدو ظاهرة الجلد والعقاب البدني في بعض الخلاوي والمدارس السودانية واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً، لأنها تمس الإنسان في أكثر مراحله هشاشة.

ورغم التطور الذي شهدته مفاهيم التربية الحديثة، ورغم وجود قوانين ولوائح تمنع العقاب البدني داخل المؤسسات التعليمية، لا تزال هذه الممارسة مستمرة في بعض البيئات التعليمية والدينية، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن العنف ما يزال وسيلة مشروعة للتعليم والتقويم.

لقد نشأت الخلاوي السودانية تاريخياً باعتبارها مؤسسات لتعليم القرآن الكريم ونشر المعرفة والقيم الدينية، وأسهمت في تخريج أجيال من العلماء والحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للمجتمع. غير أن هذا الإرث الإيجابي لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى مراجعة بعض الممارسات التي ترسخت عبر الزمن، وفي مقدمتها الاعتماد على العقاب البدني بوصفه وسيلة للتعليم والانضباط.

فالطفل الذي يُربى على الخوف لا يتعلم احترام العلم، وإنما يتعلم الخوف من المعلم. والطالب الذي يحفظ دروسه تحت وطأة العصا قد يحفظ الكلمات، لكنه يفقد في المقابل ثقته بنفسه، ويكتسب علاقة مشوهة مع المدرسة والدين والمعرفة.

ومن وجهة نظر الكاتب، فإن استمرار هذه الثقافة لا يمكن فصله عن الإرث السياسي والاجتماعي الذي كرّس لسنوات طويلة مفهوم الطاعة المطلقة على حساب التفكير الحر، ورسّخ أساليب التربية القائمة على العقاب أكثر من الإقناع، وعلى الامتثال أكثر من الحوار. وبغض النظر عن مصدر هذا الإرث، فإن نتيجته واحدة: أجيال تخشى الخطأ أكثر مما تسعى إلى التعلم، وتهاب السلطة أكثر مما تؤمن بالنقاش.

والأبحاث التربوية والنفسية الحديثة تكاد تُجمع على أن العقاب البدني لا يصنع شخصية متوازنة، بل يزيد احتمالات القلق، والعنف، والانطواء، وضعف الثقة بالنفس، كما يرفع معدلات التسرب من التعليم، ويؤثر سلباً في الصحة النفسية للطفل لسنوات طويلة.

ولا يقتصر الضرر على الجانب النفسي وحده، فهناك حالات وثقتها تقارير إعلامية وحقوقية تعرض فيها أطفال لإصابات بالغة، بل وقعت في بعض الحالات وفيات ارتبطت بالإفراط في الضرب داخل مؤسسات تعليمية أو دينية. وهذه الوقائع تؤكد أن المسألة لم تعد مجرد خلاف حول أساليب التربية، وإنما قضية تتعلق بحق الطفل في السلامة والكرامة.

كما أن ربط التعليم الديني بالعقاب الجسدي يترك آثاراً عميقة على العلاقة بين الطفل ودينه، إذ قد يختلط في وعيه الخوف بالأخلاق، والألم بالعبادة، بينما تقوم رسالة الإسلام، في جوهرها، على الرحمة والحكمة والرفق، لا على الإيذاء والإكراه.

إن حماية الأطفال لا تعني محاربة الخلاوي، ولا الانتقاص من دورها التاريخي، كما لا تعني التقليل من مكانة المعلم أو الشيخ، وإنما تعني تطوير أساليب التربية بما ينسجم مع مقاصد الدين، ومع القوانين الوطنية، ومع المعايير الحديثة التي تضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار.

إن السودان الذي يطمح إلى بناء دولة حديثة لا يستطيع أن يحقق هذا الهدف إذا بقيت مؤسساته التعليمية تعتمد وسائل تزرع الخوف بدلاً من الثقة، وتفرض الصمت بدلاً من الحوار، وتنتج الطاعة العمياء بدلاً من الوعي والمسؤولية.

ولهذا، فإن إنهاء ظاهرة الجلد في الخلاوي والمدارس ليس معركة ضد الدين أو التراث، بل هو معركة من أجل كرامة الطفل، ومن أجل تعليم أكثر إنسانية، ومن أجل وطن يؤمن بأن بناء المستقبل يبدأ بحماية الإنسان منذ طفولته، وأن المدرسة والخلوة ينبغي أن تكونا مكانين للعلم والرحمة، لا للخوف والعقاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!