الأبيض… عبق التاريخ لا أدري؛ هل أعاد التاريخ دورته، أم أنه مجرد تشابه في الأحوال؟
الصادق آدم المأمون (كنجيرة )

الصادق آدم المأمون (كنجيرة )
عندما هاجر المهدي إلى قدير في كردفان، حاولت الحكومة التركية المصرية ملاحقته والقضاء على الثورة المهدية، لكن حملة الشلالي مُنيت بهزيمة ساحقة في معركة شيكان، وهو الانتصار الذي فتح الطريق أمام قوات المهدي لتحرير الأبيض، لتصبح المدينة قاعدةً رئيسية للثورة المهدية، ومنها تواصلت العمليات حتى تحرير الخرطوم وقيام الدولة المهدية.
واليوم تتكرر، في نظر كثيرين، بعض ملامح ذلك المشهد؛ إذ جرّد البرهان حملة “الصياد” للتوغل في كردفان ودارفور، لكنها اندحرت في سهول كردفان. ومن هنا يمكن عقد بعض المقارنات لإيضاح المشهد.
لقد أرّخ يوسف ميخائيل، في كتابه مذكرات يوسف ميخائيل، لحصار الأبيض من قبل قوات المهدي، وكان حصارًا محكمًا بلغ بالناس حد أكل جلود الحيوانات، وحفر بيوت النمل للاستفادة مما ادخرته من غذاء. وانتهى ذلك الحصار بتحرير الأبيض، الذي شكّل نقطة تحول مهمة في مسار الثورة المهدية.
أما المقاربة الثانية، فعندما زحف الدعم السريع نحو مدينة بابنوسة، غادر معظم السكان المدينة حفاظًا على سلامتهم، واستمر الحصار نحو عامين. وفي النهاية خضعت المدينة للدعم السريع، رغم قسوة هذا الخيار، لكنه كان ضرورة للمحافظة على أرواح المدنيين.
هذه الخلفية تقودني إلى الاعتقاد بأن البرهان قد يتخلى عن المدينة، وقد أثبتت التجارب أن كل من أجّج الفتن ودعا إلى الصمود لم ينجح في رهانه.
الدروس والعبر
هناك خيار تسنده الحكمة والمنطق، وهو انسحاب القوات التابعة للبرهان وتجنيب المدينة مواجهة عسكرية. ومن هنا أوجه نداءً إلى حكماء المدينة لمناقشة هذا الأمر بجدية، فقد كنتم شهودًا على حجم التحشيد الذي شهدته الأبيض، والذي لم يمنع عنها التداعيات الحالية.
والنداء الثاني موجه إلى القادة العسكريين والجنود. لقد تابعتم ما جرى في الفاشر وبابنوسة، مع الفارق في الظروف بين الحالتين. حاولت متحركات عديدة فك الحصار عن الفاشر، وكان زملاؤكم في الفرقة (22) ببابنوسة يطمئنون الجنود بأن متحرك “الصياد” قادم لإنقاذهم، حتى وجدوا أنفسهم في مواجهة الحقيقة المرة.
اليوم، الوضع مختلف؛ فتأسيس لديها حكومة، ومجلس أمن ودفاع، وعتاد متطور، بينما يبدو البرهان عاجزًا حتى عن الحديث عن معاناة الأبيض، وكأنها لا تعنيه. فماذا تتوقعون؟ إن المحافظة على المدينة تستوجب اتخاذ القرار الشجاع.
أما رسالتي إلى الناشطين الذين يتحدثون عن صمود الأبيض، ويؤكدون أنها لن تموت، فهي أن هذه هي ذات السردية التي رُددت سابقًا في أماكن أخرى (الفاشر شنب الأسد)، وكانت النتيجة التي تعلمون ، وجّهوا أصواتكم إلى البرهان للمطالبة بوقف الحرب، وإلا فقد يكون الندم متأخرًا.
وأخيرًا، هل اكتملت دورة التاريخ؟ وهل ستكتب الأبيض فصلًا جديدًا من تاريخها؟ الأيام القليلة المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال.
حفظ الله المدنيين الأبرياء، ولا عزاء لدعاة الحرب ونافخي كيرها أصحاب شعار بل بس.




