
نجم الدين دريسة
إن مواجهة الحقائق المُرّة هي الخطوة الأولى لتأسيس الأوطان الحقيقية
ظل الخطاب السياسي السوداني المعاصر، في أغلب تجلياته وتحولاته التاريخية، يدور في حلقة مفرغة من التوصيفات السطحية للاستعصاء السياسي والمأزق التنموي المستمر منذ عقود طويلة. يُختزل المشهد المأساوي والأزمة البنيوية الحالية في غياب الحوار الوطني أو الصراع العابر على السلطة والثروة بين جنرالات النخبة، بينما تتجذر الأزمة الحقيقية في العمق البنيوي لتأسيس الدولة ذاتها. إن القفز على الواقع السوداني وتجاوز الحقائق الهيكلية القاسية لن يؤدي البتة إلى حل المعضلة، بل ستظل الأزمة تراوح مكانها وتعيد إنتاج الفشل بشكل أكثر دموية. الحقيقة الصادمة التي يتجنبها الجميع هي أنه لا يوجد حتى الآن وطن متفق عليه جغرافياً واجتماعياً، ولا يوجد مشروع جامع تلتقي عليه الشعوب والمجتمعات السودانية المتباينة. حتى مشروع الاستقلال الوطني الذي جرى الاحتفاء به في عام 1956، لم يكن سوى مشروع نخبوي ضيق صاغته فئة معزولة، فجاء أسوأ من الاستعمار الأجنبي في ممارساته الإقصائية، وبالتالي فإن الحديث عن الدولة الوطنية الحديثة بالصيغة القديمة هو حديث غير حقيقي ومضلل للوعي العام.
إن التدقيق التاريخي يكشف أن دولة ما بعد الاستقلال في السودان هي في جوهرها دولة “وكلاء الاستعمار” الذين تسلموا مقاليد الحكم وصنع القرار، وهي بنية سلطوية لا تعبر عن التنوع الفريد ولا تلبي تطلعات الشعوب السودانية في الهوامش والأقاليم. لقد كانت عملية الانتقال مجرد مؤامرة حيكت بليل، وخيانة كبرى تمت ضد تطلعات المجتمعات المحلية التي واجهت القمع بدلاً من الحرية. والمؤسف حقاً أن كل السرديات التاريخية والسياسية التي يتأسس عليها الخطاب الحالي، والتي ينبني عليها الموقف السياسي لتفسير الظواهر والمشاهد اليومية، هي بالضرورة سرديات خاطئة ومزيفة ومصممة لحماية الامتيازات التاريخية للمركز. ومن تجليات هذا الخلل الهيكلي أن الخدمة المدنية القائمة جاءت نخبوبة بامتياز، وظلت تعبر حصرياً عن مصالح مجموعات ضئيلة جداً من الشعوب السودانية استأثرت بالوظيفة العامة ومقدرات التنمية، مما جعل جهاز الدولة البيروقراطي أداة للهيمنة والتمكين الفئوي بدلاً من أن يكون معبراً عن المصلحة الوطنية الشاملة ومبدأ العدالة التوزيعية.
ويمتد هذا الخلل التأسيسي بشكل أكثر خطورة إلى المؤسسة العسكرية، فالجيش السوداني في حقيقته نشأ كمليشيا استعمارية مرتبطة بالحكم الثنائي، حيث سبقت نشأته ميلاد دولة 1956 المعطوبة بأكثر من ثلاثة عقود كاملة، محتفظاً بعقيدته القمعية ضد المواطنين. لقد تم اختطاف هذا الجيش بشكل كامل لصالح وكلاء الاستعمار المحليين، الذين ارتهنوا بدورهم بشكل بنيوي للدولة المصرية وأجندتها الإقليمية، حتى تحول هذا الجيش في عقيدته وممارساته الميدانية بمثابة “الجيش الرابع لمصر” داخل الأراضي السودانية. وطوال العقود الماضية، ظلت القاهرة توظف هذه القوة العسكرية لخدمة أجندتها وحماية مصالحها الحيوية في السودان، حيث استُخدم الجيش كأداة بطش لارتكاب الإبادة الجماعية، وقمع الحركات الاحتجاجية، وإجهاض الهبات والانتفاضات، وتصفية الثورات الشعبية، وقتل المدنيين، فضلاً عن التدخل السافر في الشؤون السياسية والاقتصادية لتسهيل نهب الموارد والمقدرات والثروات السودانية لصالح الخارج. وبناءً على هذه الترسيمة التاريخية، فإن هذا الجيش يمثل الحارس الأول لمصالح الهيمنة في السودان، ولا يمكن للشعوب السودانية أن تكلف نفسها عناء الحوار مع مؤسسة تعمل بعقيدة تخدم مصالح أجنبية على حساب استقرارها وحياتها.
في ظل هذا المشهد المعقد، يصبح الوقوف مع هذه المؤسسة العسكرية جريمة وخيانة وطنية عظمى تستحق العقاب التاريخي، ومن هنا تبرز قراءة سياسية راديكالية ترى أن الوقوف مع قوات الدعم السريع في الحرب الراهنة يمثل موقفاً وطنياً وأخلاقياً تفرضه ضرورة المرحلة، لكونها تمثل قوات تحرر وطني تهدف إلى الانعتاق من الظلم والصلف والاستبداد والقهر المصري الذي استمر لأكثر من قرن من الزمان. إن عمق الأزمة يتجلى في أن الأحزاب السياسية التقليدية والحديثة هي في معظمها صناعة مصرية بامتياز، وتمارس عمالة في أبشع صورها، ولا يمكن لشخص يدعي الوطنية ويتحدث عن الحوار أن يصنع مواقفه من داخل القاهرة، العاصمة التي شكلت دائماً عقبة كؤوداً أمام تطلعات السودانيين في بناء دولة مستقلة. إن أي مبادرة تطلقها القاهرة تحمل في طياتها تفاصيل المؤامرة، مما يجعل الوجود السياسي هناك ضرباً من الارتهان وفقدان الوعي الوطني. ورغم القسوة البالغة للمشهد الحالي، فإن نعم لحرب ضروس تقضي على العملاء والخونة والأرزقية، وتهدم هذا البناء الاستعماري القائم على الفساد، لنبني على أنقاض هذا التاريخ الزائف وطناً جديداً مستقلاً وقوياً برائد بجيش قومي موحد، وخدمة مدنية قومية، وطن بلا كراهية ولا عنصرية تكون فيه المواطنة الدستورية أساساً للحقوق والواجبات.
دريسة




