رأي

السودان بين منطق الغلبة وأفق الشراكة الوطنية

محمد إبراهيم الأحمر المحامي 

 

محمد إبراهيم الأحمر المحامي 

لم تكن الأزمة السودانية التي انفجرت في شكل حرب مدمرة منذ أبريل 2023 حدثاً معزولاً عن سياقها التاريخي، ولا نتيجة مباشرة لخلافات سياسية عابرة، وإنما جاءت امتداداً طبيعياً لأزمة وطنية عميقة ظلت تتراكم لعقود طويلة بسبب غياب المشروع الوطني الجامع، وفشل النخب في إدارة التنوع، وسيادة ثقافة الإقصاء والاستحواذ على السلطة والثروة. فالسودان، منذ الاستقلال، لم ينجح في بناء دولة تستوعب جميع أبنائه على قدم المساواة، بل ظل أسيراً لصراعات متكررة بين مراكز النفوذ المختلفة التي تعاملت مع الدولة باعتبارها غنيمة سياسية وليست مسؤولية وطنية.

وقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً لهذه السياسات. فالحروب الأهلية المتعاقبة، والانقسامات الاجتماعية، والتدهور الاقتصادي، وتراجع مؤسسات الدولة، لم تكن سوى نتائج مباشرة لغياب الرؤية الوطنية الشاملة. وبينما انشغلت القوى السياسية والعسكرية بصراعاتها على النفوذ، ظل المواطن السوداني يتحمل وحده أعباء الفقر والنزوح واللجوء وانعدام الأمن والاستقرار.

إن إحدى أكبر المعضلات التي واجهت السودان تمثلت في النظر إلى الاختلاف باعتباره تهديداً يجب التخلص منه، لا حقيقة ينبغي إدارتها والاستفادة منها. فالتنوع الثقافي والإثني والديني والجهوي الذي يميز السودان كان يمكن أن يشكل مصدر قوة وإثراء حضاري، لو جرى التعامل معه بعقلية وطنية منفتحة. لكن ما حدث في كثير من الأحيان هو العكس تماماً، حيث تحولت الاختلافات إلى وقود للصراع بسبب سياسات التهميش والاستعلاء وغياب العدالة.

ومن هنا تبرز أهمية الفهم باعتباره المدخل الأول لأي مشروع وطني جاد. فالفهم لا يعني مجرد المعرفة النظرية بتاريخ السودان وتعقيداته، بل يعني الاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع السوداني، وفهم مظالم الآخرين وتطلعاتهم ومخاوفهم المشروعة. ولا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح إذا استمرت بعض الأطراف في إنكار حق الآخرين في المشاركة أو تجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والتنوع الاجتماعي.

لكن الفهم وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى تفاهم حقيقي. فالتفاهم هو الجسر الذي ينقل المجتمعات من مرحلة الصراع إلى مرحلة البناء. وهو يقوم على الحوار الصادق والاحترام المتبادل والبحث عن المشتركات الوطنية، بدلاً من الإصرار على منطق الغالب والمغلوب. لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الحروب قد تنتهي بتوقف إطلاق النار، لكنها لا تنتهي فعلياً إلا عندما يقتنع الجميع بأن الشراكة أفضل من المواجهة، وأن التوافق أكثر جدوى من الإقصاء.

إن السودان اليوم بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة المتساوية، حيث تكون الحقوق والواجبات قائمة على الانتماء للوطن لا على الانتماءات الضيقة. دولة تحكمها المؤسسات والقانون، وتضمن العدالة في توزيع السلطة والثروة، وتوفر فرصاً متكافئة لجميع المواطنين دون تمييز أو تهميش. فمثل هذه الدولة وحدها القادرة على حماية وحدة البلاد وتحقيق الاستقرار المستدام.

لقد أثبتت الحرب الحالية أن لا طرف يستطيع إلغاء الآخر أو احتكار المستقبل لنفسه. كما أثبتت أن الانتصارات العسكرية، مهما كانت نتائجها، لا تكفي لبناء السلام ولا لصناعة الاستقرار. فالأوطان لا تُدار بمنطق القوة وحدها، وإنما تُبنى بالتوافق والإرادة المشتركة والرؤية الوطنية الجامعة.

واليوم تقع المسؤولية على الجميع؛ السياسيين والعسكريين والمثقفين والإعلاميين والإدارات الأهلية والشباب والنساء ومنظمات المجتمع المدني. فإما أن يستمر خطاب الكراهية والانقسام الذي قاد البلاد إلى هذا الخراب، وإما أن تنشأ ثقافة جديدة تؤمن بالحوار والتسامح والشراكة الوطنية.

إن السودان لا يحتاج إلى منتصر جديد بقدر ما يحتاج إلى دولة جديدة، دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والتنوع مصدر قوة، والمواطنة أساس الانتماء، والشراكة الوطنية قاعدة للحكم والاستقرار. وعندما يصبح الفهم طريقاً، والتفاهم منهجاً، والشراكة غاية، سيكون بمقدور السودانيين أن يطووا صفحة الألم، ويفتحوا صفحة جديدة تؤسس لمستقبل أكثر أمناً وعدالة وكرامة لجميع أبناء الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!