رأي

من أنقاض المركز إلى فجر السودان الجديد

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل يتفكك السودان؟ فالسؤال نفسه ينتمي إلى زمن مضى. السؤال الحقيقي هو: أي سودان يتشكل الآن من تحت ركام الحرب، ومن بين أنقاض الدولة التي استنفدت أغراضها التاريخية؟ وما الذي يولد في اللحظة نفسها التي يتداعى فيها آخر جدار من جدران المركز القديم؟

لقد أمضى السودان عقوداً طويلة وهو يعيش داخل معادلة مختلة، تتحدث باسم الوطن بينما تحتكر تعريفه، وترفع شعار الوحدة بينما تبني مؤسساتها على الإقصاء، وتدعو إلى الاستقرار بينما تغذي أسباب الانفجار. لم تكن الأزمة في الأشخاص، ولا في الحكومات المتعاقبة، ولا حتى في الانقلابات وحدها؛ بل في الفكرة التي حكمت البلاد منذ الاستقلال، فكرة الدولة التي تنظر إلى نفسها من نافذة ضيقة وتطلب من ملايين الناس أن يروا الوطن بالعين ذاتها.

ومع مرور الزمن تراكمت طبقات الألم فوق بعضها البعض. الحروب، والنزوح، والتهميش، والإفقار، والانسداد السياسي، لم تكن أحداثاً منفصلة، بل فصولاً متصلة في قصة طويلة كشفت حدود النموذج القديم وعجزه البنيوي عن استيعاب السودان كما هو، لا كما أرادته النخب الحاكمة.

لكن الزمن لا يراكم الجراح فقط؛ إنه يراكم المعرفة أيضاً.

فالشعوب التي تعيش التجارب القاسية لا تخرج منها كما دخلتها. إنها تعيد النظر في المسلمات، وتفحص الأساطير السياسية التي حكمتها، وتكتشف بالتدريج أن كثيراً مما قُدِّم لها باعتباره قدراً وطنياً لم يكن سوى ترتيب تاريخي قابل للتغيير. وهكذا نشأ وعي جديد في أقاليم السودان ومناطقه المنسية وأحياء المهمشين ومعسكرات النزوح ومنافي اللجوء، وعي لا يبحث عن إصلاح السقف المتشقق، بل يتساءل عن الأساس الذي أقيم عليه البناء كله.

لقد أدركت قطاعات واسعة من السودانيين أن الأزمة ليست أزمة حكم فقط، وإنما أزمة دولة. ليست أزمة سلطة فحسب، وإنما أزمة تصور كامل لمعنى السلطة نفسها. لذلك انتقلت المطالب من تحسين شروط المشاركة إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة الوطنية بأكملها.

في هذه اللحظة التاريخية سقطت أوهام كثيرة. سقط وهم أن المركز وحده يملك حق التفكير باسم السودان. وسقط وهم أن الأطراف مجرد هوامش تنتظر التعليمات. وسقط وهم أن العودة إلى ما قبل الحرب تمثل حلاً ممكناً. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، والشعوب التي دفعت أثماناً باهظة لا تقبل أن تعود إلى نقطة البداية وكأن شيئاً لم يكن.

ومن قلب هذا التحول برزت قوى اجتماعية وسياسية جديدة تحمل تصوراً مختلفاً للدولة. لا تتحدث عن احتكار الهوية، بل عن إدارة التنوع. لا تتحدث عن مركز يوزع الامتيازات، بل عن مواطنة متساوية. لا ترى الجيش أداة للهيمنة السياسية، بل مؤسسة وطنية خاضعة للدستور. ولا تعتبر العدالة ملفاً مؤجلاً، بل شرطاً لازماً للاستقرار.

لهذا لم تعد معركة السودان معركة جغرافيا أو حدود أو موارد فقط، وإنما معركة تعريف. تعريف الدولة، وتعريف المواطنة، وتعريف الشرعية، وتعريف المستقبل نفسه.

إن أخطر ما يواجه البلاد اليوم ليس احتمال الانقسام، بل محاولة إعادة إنتاج الأسباب التي قادت إلى الانهيار. فكل مشروع يتجاوز أسئلة التهميش والعدالة وتوزيع السلطة والثروة لن يكون مشروع إنقاذ، بل مشروع تأجيل للأزمة. وكل دعوة إلى سلام لا تعالج جذور الحرب ستتحول إلى هدنة قصيرة في طريق نزاع أطول.

السودان يقف الآن أمام مسارين..مسار يقود إلى إعادة تدوير الماضي بكل إخفاقاته وأوهامه، وآخر يفتح الباب أمام عقد اجتماعي جديد يشارك في صياغته الذين ظلوا لعقود خارج غرفة القرار. وبين الطريقين تتحدد ملامح القرن السوداني القادم.

إن الدولة التي عرفها السودانيون طوال العقود الماضية تتلاشى أمام أعينهم، ليس لأنها تعرضت لهجوم عسكري فحسب، بل لأنها فقدت قدرتها على إقناع مواطنيها بأنها تمثلهم جميعاً. وعندما تفقد الدولة معناها الأخلاقي والسياسي، يصبح سقوطها مسألة وقت لا أكثر.

غير أن نهاية نموذج قديم لا تعني نهاية الوطن. على العكس تماماً. ففي كثير من الأحيان لا تبدأ الأمم رحلتها الحقيقية إلا بعد أن تتحرر من الأطر التي كبّلتها طويلاً.

ولهذا فإن السودان لا يقف اليوم على حافة التفكك كما يظن البعض، بل على عتبة إعادة تعريف شاملة لنفسه. وما يبدو للبعض انهياراً، قد يكون في جوهره مخاضاً عسيراً لميلاد تاريخي جديد. فالأمم العظيمة لا تُقاس بسلامة جدرانها القديمة، بل بقدرتها على النهوض من رمادها وصناعة مستقبل يليق بتضحيات أبنائها.

وفي تلك اللحظة تحديداً، لا يكون السؤال كيف نحافظ على ما سقط، بل كيف نبني ما يستحق أن يبقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!