
سمية النور دهب
في لحظة سياسية وقانونية بالغة الأهمية، جاء بيان تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) بشأن مناقشات مجلس حقوق الإنسان حول مدينة الأبيض ليقدم نموذجاً مختلفاً في مخاطبة المجتمع الدولي، نموذجاً يستند إلى الحجة القانونية والمنطق السياسي والرؤية الوطنية، بعيداً عن الانفعال أو المزايدات الخطابية.
لقد كشف البيان عن حقيقة جوهرية تتمثل في أن تحالف تأسيس لا يتعامل مع القضايا الوطنية من منطلق ردود الأفعال أو البحث عن رضا الأطراف الدولية، وإنما من موقع المسؤولية تجاه مشروع سياسي يرى نفسه معبراً عن تطلعات قطاعات واسعة من السودانيين الذين يتطلعون إلى بناء دولة جديدة تقوم على العدالة والمواطنة والمساواة.
ولعل ما يميز موقف تأسيس أنه لم يرفض الدعوات الدولية لحماية المدنيين أو احترام القانون الدولي الإنساني، بل أكد بصورة واضحة أن حماية المدنيين واجب أخلاقي وقانوني لا خلاف حوله. غير أنه في الوقت نفسه رفض الانتقائية التي تتعامل مع الحرب من زاوية واحدة وتتجاهل الحقائق الميدانية والقانونية المتعلقة بطبيعة الأهداف العسكرية ومشروعية التعامل معها وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.
هذا الموقف يعكس نضجاً سياسياً مهماً، لأنه ينطلق من قناعة راسخة بأن احترام المجتمع الدولي لا يتحقق عبر التبعية لمواقفه أو الانسياق وراء أجنداته، وإنما عبر امتلاك رؤية مستقلة وقدرة على الدفاع عنها بالحجج القانونية والسياسية. فالشعوب لا تبني مستقبلها من خلال استرضاء الآخرين، بل من خلال التعبير الحر عن مصالحها الوطنية والدفاع عنها بثقة ومسؤولية.
ومنذ تأسيسه، قدم تحالف السودان التأسيسي نفسه بوصفه مشروعاً للتحرر الوطني وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، بعد عقود طويلة من احتكار السلطة والثروة بواسطة نخب ضيقة اختطفت الدولة وحولتها إلى أداة لخدمة مصالحها السياسية والأيديولوجية. ولذلك فإن جوهر مشروع تأسيس لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، بل في معالجة الأسباب البنيوية التي قادت إليها وإقامة نظام سياسي يعبر عن التنوع الحقيقي للمجتمع السوداني.
ويكتسب بيان الأبيض أهمية إضافية لأنه بعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن السودانيين ليسوا مجرد متلقين للقرارات والتوصيات الخارجية، وإنما أصحاب قضية ورؤية ومشروع سياسي متكامل. كما أكد أن أي مقاربة جادة لإنهاء الأزمة السودانية ينبغي أن تنطلق من احترام إرادة السودانيين أنفسهم، لا من فرض تصورات أو حلول تتجاهل تعقيدات الواقع وتطلعات المواطنين.
إن قيمة هذا الموقف لا تكمن فقط في محتواه القانوني، وإنما في دلالته السياسية العميقة. فهو يعبر عن تحالف يسعى إلى بناء علاقة متوازنة مع المجتمع الدولي، قائمة على الاحترام المتبادل لا التبعية، وعلى الحوار لا الوصاية، وعلى الشراكة لا الإملاء. كما يعكس إيماناً راسخاً بأن القرار الوطني يجب أن يبقى ملكاً للشعب السوداني وحده.
وبهذا المعنى، فإن بيان تأسيس لم يكن مجرد رد على مشروع قرار أو موقف دولي عابر، بل كان إعلاناً سياسياً يؤكد استقلال الإرادة الوطنية، ويعكس ثقة متزايدة في مشروع تحرري يسعى إلى استعادة الدولة من قبضة النخب التي احتكرتها لعقود، وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين؛ الشعب السوداني بكل مكوناته وأقاليمه وتطلعاته المشروعة نحو الحرية والسلام والعدالة.




