
خضر كوة
ما يجري في كواليس المشهد السوداني أخطر بكثير مما يظهر على سطح الأحداث. فخلف الضجيج الإعلامي، والتحركات العسكرية المتفرقة، تُدار ترتيبات عميقة لإعادة تشكيل مركز السلطة، لا على أساس الخلاف مع المنظومة الحاكمة، بل على قاعدة استبدال قيادة وُصفت داخل دائرتها نفسها بأنها لم تعد صالحة للمرحلة.
في هذا السياق، تبرز معطيات تشير إلى أن التيار الإسلاموي، عبر قنوات إقليمية تقودها مصر وبامتدادات تشمل إيران وتركيا، يعمل على تهيئة انقلاب داخلي لإزاحة عبد الفتاح البرهان. المفارقة أن البرهان لا يُستهدف لأنه خارج هذه المنظومة، بل لأنه يُعد جزءًا أصيلًا منها، غير أن ضعفه السياسي وتردده الاستراتيجي باتا، في نظر حلفائه قبل خصومه، عبئًا لا يمكن تحمّله.
البرهان، وفق هذا التقدير، فشل في اتخاذ قرارات حاسمة، وأظهر خشية واضحة من ردود الفعل الأمريكية والغربية، وترددًا في الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي. هذا السلوك، الذي قد يراه البعض حذرًا، تراه الدوائر الأكثر تشددًا عجزًا يهدد مصالحها، ويُفقدها القدرة على إدارة مرحلة تتطلب قيادة أكثر صلابة، وأقل ترددًا في القطيعة مع الغرب.
تلعب مصر هنا دور القناة والمنسق، انطلاقًا من حسابات أمنية بحتة. فالقاهرة لا تنطلق من التزام أيديولوجي، بقدر ما تبحث عن قيادة عسكرية قادرة على فرض السيطرة وضبط المشهد، حتى وإن كانت هذه القيادة إسلامية التوجه بوضوح. التقاطع، إذن، مصلحي قبل أن يكون فكريًا، تحكمه هواجس الأمن الإقليمي أكثر من أي اعتبار آخر.
ضمن هذا السيناريو، لا يبدو أن البرهان سيُسلَّم أو يُحاسَب، رغم مسؤوليته المباشرة عن الانقلاب على الحكومة المدنية، ثم عن الحرب الكارثية التي دمّرت البلاد وشرّدت الملايين. ما يجري هو مقايضة سياسية وقانونية واضحة: تأمينه من الملاحقة، مقابل تنحيه عن قيادة الجيش وفتح الطريق لإعادة ترتيب هرم السلطة العسكرية.
التطورات المتسارعة في كردفان عمومًا، وجبال النوبة على وجه الخصوص، عجّلت بهذا المسار. فهذه التحولات أقلقت دول محور الإسلام السياسي، لأنها كشفت هشاشة القيادة الحالية، وعجزها عن احتواء الوقائع الجديدة أو إدارتها بفعالية. من هنا، لم تعد إزاحة البرهان خيارًا مؤجلًا، بل استحقاقًا عاجلًا في نظر تلك العواصم.
ومع ذلك، ينبغي أن يكون موقفنا واضحًا: لا مصلحة لنا في بقاء البرهان ولا في رحيله. وجوده حتى الآن أتاح تمرير كثير من الترتيبات والتحركات عبر شخصه، وهو ما قد لا يكون ممكنًا مع قيادة أكثر تشددًا، وأكثر وضوحًا في عدائها وانغلاقها. لكن التعويل على الأفراد، في كل الأحوال، خطأ قاتل.
المطلوب اليوم هو أن تكون حكومة التأسيس في أعلى درجات الجاهزية، برؤية متماسكة، ووعي عميق بطبيعة المرحلة، واستعداد فعلي لمواجهة الأسوأ سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بعيدًا عن الحسابات قصيرة النظر التي قد تفقدها الثقة الدولية التي بدأت تتشكل لصالحها.
الانتباه واجب، لأن ما يُحضَّر له ليس مجرد تغيير قائد، بل تغيير شامل لقواعد اللعبة، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر وفرص.




