
نجوي بابو
لا تُقاس شرعية النظام الدولي بعدد القرارات التي يصدرها مجلس الأمن، وإنما بقدرته على صون الكرامة الإنسانية دون تمييز. فالقانون يفقد معناه عندما يتحول إلى أداة لإدارة موازين القوى بدلًا من أن يكون ميزانًا للعدالة. ولهذا، فإن أي قرار يتعلق بمدينة الأبيض لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إجراءً سياسيًا فحسب، بل باعتباره اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ القانون الدولي الإنساني.
لقد نشأت فلسفة القانون الدولي على قاعدة جوهرية مفادها أن المدنيين ليسوا طرفًا في النزاعات المسلحة، وأن المدن ليست ميادين مفتوحة لتنافس البنادق. ومن هنا، فإن أي وجود عسكري داخل المناطق السكنية، أيًا كانت الجهة التي تمثله، يضع حياة الأبرياء في دائرة الخطر، ويجعل الحق في الحياة رهينة للمعادلات العسكرية.
إن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم أي تدخل دولي هو مبدأ المساواة في تطبيق القانون. فالعدالة التي تستثني طرفًا، أو تُخضع طرفًا آخر لمعايير مختلفة، لا تعود عدالة، بل تتحول إلى ممارسة سياسية تُفقد القانون هيبته، وتزرع الشك في حياد المؤسسات الدولية. فالقانون لا يُقاس بحسن النوايا، وإنما بعمومية قواعده وتجردها من الانتقائية.
فإن المدينة هي المجال الطبيعي للمواطنة، بينما المعسكر هو المجال الطبيعي للقوة المسلحة. وعندما يختلط المجالان، تتحول الدولة من دولة قانون إلى فضاء تتنازع فيه مراكز القوة، ويصبح المواطن هو الخاسر الأول. لذلك، فإن حماية الأبيض لا تتحقق بمنح أي قوة مسلحة مساحة للحركة داخلها، بل بإخراج جميع المظاهر العسكرية منها دون استثناء، لتعود المدينة إلى أهلها، ويعود السلاح إلى مواقعه العسكرية.
إن المجتمع الدولي مطالب اليوم بأكثر من إصدار بيانات أو قرارات؛ إنه مطالب بإثبات أن مبادئ القانون الدولي ليست شعارات تُرفع في المؤتمرات، وإنما قواعد تُطبَّق على الجميع بلا تمييز. فالحياد لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الحق والباطل، وإنما يعني تطبيق القانون على جميع الأطراف بالقدر نفسه، ومنع أي طرف من تعريض المدنيين للخطر.
وإذا كانت الغاية المعلنة لأي تحرك أممي هي حماية السكان، فإن الطريق إلى ذلك واضح: إخلاء مدينة الأبيض من جميع أشكال الوجود العسكري، وتجريم استخدام الأحياء السكنية لأغراض قتالية، وضمان أن تبقى المرافق المدنية بمنأى عن النزاع. فهذه ليست مطالب سياسية تخص طرفًا دون آخر، وإنما استحقاقات قانونية وأخلاقية يفرضها الضمير الإنساني قبل أن تفرضها الاتفاقيات الدولية.
لقد علمتنا التجارب أن السلام لا يُصنع بترتيب موازين القوى داخل المدن، بل بإعادة الاعتبار لسيادة القانون. فالمدينة التي تستعيد مدنيتها تستعيد معها فرص الحياة، والدولة التي تُخضع الجميع لسلطان القانون تستعيد شرعيتها، أما المجتمع الدولي الذي يطبق مبادئه بانتقائية، فإنه يخاطر بتقويض الثقة في النظام الذي أقامه بعد عقود من الحروب.
إن الأبيض تستحق أن تكون مدينة للمدنيين، لا ثكنة مفتوحة للصراع. وهذه ليست قضية محلية فحسب، بل سؤال أخلاقي وقانوني يواجه العالم بأسره: هل يبقى القانون الدولي مرجعًا لحماية الإنسان، أم يصبح مجرد أداة لإدارة النزاعات وفق حسابات السياسة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تكتبها البيانات الرسمية، وإنما ستكتبها الأفعال، ومدى قدرة المجتمع الدولي على ترسيخ مبدأ بسيط وعادل: المدن للمدنيين، والقوة المسلحة مكانها المواقع العسكرية، لا الأحياء السكنية.




