رأي

بإدراجه ضمن قائمة د 3 وفرض عقوبات تصدير قاسية: واشنطن تحكم تضيق الخناق على السودان 

دكتور دقاش حسب الله دقاش

 

 دكتور دقاش حسب الله دقاش

لم تبدأ قصة العقوبات الأمريكية على السودان في السادس من يوليو 2026 وإنما هي مسار طويل بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي ومر بأربع محطات كبرى ففي عام 1993 أدرجت واشنطن السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب وفرضت حظرا تجاريا شاملا قطع عنه التكنولوجيا والدواء وقطع غيار الطائرات ثم جاءت مرحلة الانفتاح الجزئي في أكتوبر 2017 برفع العقوبات الاقتصادية وبعدها الرفع الكامل من قائمة الإرهاب بعد ثورة ديسمبر 2020 ودخول السودان مجموعة الدول المتعاونة فبدأت المساعدات والاستثمارات تتدفق غير أن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 أعاد كل ذلك إلى نقطة الصفر فتوقفت المساعدات وتجمد الدعم الفني وعادت لغة عدم التعاون وأخيرا اندلعت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 فتحولت الأزمة من سياسية إلى أمنية دولية وتوجت هذه المراحل بقرار السادس من يوليو 2026 بنقل السودان إلى مجموعة د3 استنادا إلى اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية ومن هنا يتضح أن الفرق بين الأمس واليوم هو أن العقوبات القديمة استهدفت النظام بينما عقوبات د3 تستهدف الدولة نفسها في شرايينها الصناعية والتقنية.

إن قرار السادس من يوليو لم يأت من فراغ بل هو تتويج طبيعي لمسار بدأ بالانقلاب وتعمق بالحرب فما فعلته واشنطن اليوم هو أنها ترجمت الفوضى الداخلية إلى لغة عقوبات تقنية واقتصادية تضرب مباشرة قدرة الدولة على الحياة ولم يعد الخطر في بيان إدانة بل صار في إغلاق باب الماكينة وقطعة الغيار وشبكة الاتصال.

والبداية الحقيقية لهذه العزلة كانت لحظة الانقلاب على الوثيقة الدستورية وحكومة الفترة الانتقالية حيث خسرت البلاد شهادة العبور إلى المجتمع الدولي ولم يكن الأمر مجرد إسقاط حكومة بل كان إسقاطا لمسار رفع العقوبات الذي بدأ بعد الخروج من قائمة الإرهاب فتوقفت المساعدات وتجمدت الشراكات وأصبح السؤال الدولي الدائم من يمثل السودان ومن بيده القرار ومن ثم أنتج الانقلاب شرعية مهتزة لا تستطيع تقديم رواية مقنعة داخليا ولا خارجيا وبغياب الحكومة المدنية والرقابة البرلمانية والصحافة الحرة انفتح الباب واسعا أمام الاتهامات فصارت أي حادثة في مناطق النزاع مادة خام لبناء ملف دولي عن الانتهاكات دون أن يجد من يدفعه بالقانون والمؤسسات.

ثم جاءت الحرب فحولت المعادلة بالكامل إذ انتقل السودان من ملف الديمقراطية المتعثرة إلى ملف دولة الخطر وحين يتحول السؤال الدولي من سؤال الاحتياج إلى سؤال الخطر تتغير كل أدوات التعامل فصار كل قصف وكل تقرير وكل صورة من مناطق النزاع مادة تبني عليها وزارة الخارجية والتجارة والأمن القومي الأمريكية روايتها بأن السودان دولة لا يصلح تمكينها تقنيا لأن التقنية ستستخدم في الحرب وفي الوقت نفسه كسرت الحرب سلاسل الإنتاج وهدمت البنية التحتية وشردت الملايين فجاءت عقوبات د3 لتضرب في جرح مفتوح وتضاعف الأزمة وتجعل استيراد أي شيء أمرا معقدا ومكلفا ومحاطا بالشك.

ويكمن جوهر قرار السادس من يوليو في تطبيق سياسة افتراض الرفض على أي طلب تصدير أو إعادة تصدير أو نقل لأي سلعة أو تقنية أمريكية بحيث يبدأ الأمر من الرفض ولا يمر إلا بإثبات قاطع أن الاستخدام مدني بحت وقد طال القرار قطاعات حيوية تمس حياة الناس مباشرة فشمل المعدات الصناعية الدقيقة التي تعتمد عليها المصانع والبنية التحتية وقطع غيار الطائرات التي هي شريان الطيران المدني وأجهزة الاتصالات ومعدات الشبكات والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج وبذلك أصبح توقف ماكينة أو تعطل طائرة أو تراجع شبكة انعكاسا مباشرا لهذا القرار الذي يضرب الاقتصاد من العمق ويجعل أي محاولة للتعافي في ظل الحرب مهمة شبه مستحيلة كما أن للقرار بعدا سياسيا يتمثل في تراجع مكانة السودان الدولية وعودته إلى دائرة الدول التي تفرض عليها واشنطن قيودا مشددة ويرفع درجة المخاطرة أمام المستثمرين ويجعلهم أكثر ترددا في الدخول إلى السوق السوداني ويفتح الباب أمام دول أخرى لتحذو حذو واشنطن فتتحول قيود التصدير إلى سلاح جماعي وتتحول المعاملة التجارية من عقد اقتصادي إلى ملف أمني.

إن نقد أداء سلطة الأمر الواقع في بورتسودان ضروري لفهم كيف وصلنا إلى هنا فبعد الانقلاب لم تقدم السلطة مشروعا سياسيا جامعا لا دستورا ولا انتخابات ولا حوارا وطنيا واكتفت بإدارة الأزمة بأدوات أمنية ففقدت الداخل وفقدت الخارج واختارت طريق البندقية لفرض شرعيتها ولكن البندقية في عالم اليوم تنتج عقوبات لا انتصارات وكل يوم حرب هو يوم إضافي في ملف الخطر بواشنطن وواجهت الاتهامات بالإنكار فقط دون لجان تحقيق مستقلة ودون شفافية ودون فتح للمطارات والموانئ للرقابة الدولية فصدق العالم رواية الطرف الآخر وانشغلت السلطة بالمعركة العسكرية ونسيت أن المواطن سيدفع الثمن من قطعة غيار المستشفى ومن شبكة الإنترنت ومن سعر الدقيق ومن قدرة الدولة على إدارة الخدمات الأساسية.

وخلاصة القول إن قرار السادس من يوليو ليس إجراء إداريا عابرا بل هو تحول استراتيجي في العلاقة بين الخرطوم وواشنطن ورسالته واضحة أن طالما استمرت الحرب وطالما غاب الحكم المدني فسيظل السودان في خانة الدول الخطرة لذلك فإن أي رد لا يبدأ من الداخل هو هروب إلى الأمام والمخرج الحقيقي يبدأ بإيقاف الحرب فورا لأنه لا انفتاح مع استمرار البندقية ولا استثمار مع استمرار النزوح ولا شراكة مع استمرار الاتهامات ويستكمل بالعودة إلى مسار الحكم المدني الانتقالي عبر حكومة كفاءات وحوار سوداني سوداني وترتيبات أمنية وطريق واضح للانتخابات لأن هذا وحده الذي يعيد للسودان شهادة الأهلية الدولية ويستمر بتحرك دبلوماسي وقانوني هجومي عبر لجان تحقيق وشفافية ودعوة خبراء دوليين وتفنيد للاتهامات بالأدلة لا بالبيانات.

الطريق الأقصر لرفع اسم السودان من قائمة د3 ليس في لوبي بواشنطن بل في قاعة حوار السودانين الاحرار.

والطريق هو أن نختار السلام وأن نختار المدنية لأن السلام هو جسر العبور من العزلة إلى التعافي ومن التضييق إلى التمكين.. حفظ الله السودان وأهله.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!