رأي

جيش الوهم… كيف تُصنع الأغلبية الزائفة على منصات التواصل؟

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

منذ سقوط سلطة الحركة الإسلاموية، لم تتوقف محاولاتها لاستعادة نفوذها، لكنها هذه المرة لا تعتمد على المنابر التقليدية وحدها، بل تخوض معركتها الأساسية داخل منصات التواصل الاجتماعي. هناك، تدور حرب أخرى، هدفها ليس إقناع الناس بقدر ما هو إيهامهم بأن الشعب يقف خلف مشروع فقد شرعيته يوم خرج ملايين السودانيين مطالبين بإسقاطه.

تعتمد هذه المعركة على إغراق الفضاء الرقمي بسيل من الرسائل المتطابقة، والحسابات التي تكرر الخطاب نفسه، وتهاجم كل رأي مخالف، وتلاحق الوسوم والمنشورات التي تكشف الجرائم والانتهاكات التي ارتبطت بالحركة الإسلاموية أو تنتقد دورها في الحرب. والغاية واضحة؛ صناعة انطباع بأن هناك أغلبية صامتة تؤيد المشروع الإسلاموي، بينما الواقع السياسي الذي أسقط السلطة يقول غير ذلك.

هذه ليست معركة أفكار، بل معركة تضليل منظم. فكلما انكشفت الوقائع، ازداد إنتاج الروايات البديلة، وكلما ظهرت حقيقة، سارع الخطاب الإسلاموي إلى تغطيتها بطبقة جديدة من الإنكار والتشويش. إنها سياسة تقوم على إرباك المتلقي حتى يصبح الزيف منافسًا للحقيقة، ويغدو التشكيك في كل الوقائع وسيلة لإرباك الوعي العام وإضعاف قدرة الناس على التمييز بين الحقيقة والدعاية.

ولذلك، لم يعد مستغربًا أن تتحول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى جزء من أدوات هذه المعركة الرقمية. فكل تقنية جديدة يمكن توظيفها لإنتاج محتوى دعائي، أو تضخيم الرسائل، أو إنشاء شبكات من الحسابات الرقمية التي تعيد تدوير الخطاب نفسه، تصبح وسيلة إضافية لتوسيع دائرة الدعاية وإعطاء الانطباع بوجود تأييد شعبي واسع. لكن مهما بلغت قدرة التقنية، فإنها لا تستطيع صناعة شارع حقيقي، ولا خلق إرادة شعبية من العدم.

الفرق بين الواقع والوهم بسيط للغاية. الذين خرجوا إلى الشوارع وأسقطوا السلطة كانوا مواطنين حقيقيين، يحملون مطالب واضحة، ويدفعون ثمن مواقفهم من حريتهم ودمائهم. أما الجيوش الإلكترونية فلا تملك إلا الضجيج، ولا تستطيع أن تغير حقيقة أن الشرعية يصنعها الشعب في الواقع، لا الحسابات التي تُدار خلف الشاشات.

وليس من المصادفة، في رأي الكاتب، أن تتزامن هذه الحملات مع استمرار الحرب. فكلما طال أمد الصراع، اتسعت مساحة الدعاية، وتأخر انكشاف الحقائق، واستمرت محاولات إعادة تقديم الحركة الإسلاموية باعتبارها ممثلة للشعب، بينما يسعى خطابها إلى إعادة إنتاج صورتها بعد سقوطها.

لقد قامت الحركة الإسلاموية، من وجهة نظر الكاتب، على خطاب جعل تزييف الوعي وسيلة دائمة للعمل السياسي، فكان قلب الحقائق، وتبرير الانتهاكات، وصناعة الروايات البديلة جزءًا من أدواتها في إدارة الصراع. لكن التجارب تثبت أن الدعاية قد تؤخر الحقيقة، لكنها لا تستطيع دفنها. والحسابات الإلكترونية، مهما تضاعف عددها، لا تتحول إلى جماهير، والوسوم المصنوعة لا تصبح إرادة شعبية، والضجيج الرقمي لا يصنع شرعية.

قد ينجح الوهم في خداع بعض المتابعين لبعض الوقت، لكنه يعجز عن تغيير الواقع. وعندما تنتهي الحرب، وتنفتح الملفات، وتُعرض الوقائع أمام الناس، ستتراجع الصورة المصطنعة التي سعت الحركة الإسلاموية إلى ترسيخها. وعندها سيبقى السؤال حاضرًا: إذا كانت تدّعي أنها تمثل الشعب، فلماذا أسقطها الشعب عندما امتلك فرصة التعبير عن إرادته؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!