تفكيك العجز البنيوي أزمة النخب المدنية وشرعنة “الثور” في مستودع الخزف” تحليل سيكولوجية الترقيع السياسي وإطالة عمر الدولة الإقصائية
مجدي محمد مصطفي ماكن

مجدي محمد مصطفي ماكن
دولة 56 لم تكن تمثل أحداً سوى نخبها المحتمية بالسلاح.
تضعنا القراءة العميقة التي طرحتها الدكتورة ناهد محمد الحسن حول تفكيك “المجال السياسي” أمام مرآة تاريخية قاسية. إنها المرآة التي تكشف أن عجز القوى المدنية والثورية عن الحفاظ على تماسكها لم يكن مجرد عارض تنظيمي أو نتيجة لخيانة طارئة، بل كان تعبيراً حتمياً عن خلل بنيوي أعمق. يكمن هذا الخلل في افتقار النخب المدنية للشجاعة الأخلاقية والسياسية لمواجهة حقيقة الدولة القديمة؛ تلك الدولة القائمة على التمييز والإقصاء الهيكلي، أو ما يمكن تسميته بـ “الأبارتهايد المُقنّع”.
إن محاولة هندسة مساحات ديمقراطية فوق “أرضية معطوبة” هو الوهم الأكبر الذي سقطت فيه النخب المدنية المتعاقبة منذ فجر الاستقلال عام 1956. وبدلاً من تدمير هذه البنية الإقصائية أو تفكيكها جذرياً، تعايشت المعارضة المدنية معها، واقتبست هياكلها التنظيمية من ذات المركزية النخبوية، لتتحول -بوعي أو بدونه- إلى خادم يطيل عمر هذه الدولة ويمنحها مسكنات البقاء، حتى تحول هذا الهيكل المؤسسي المشوه إلى ما يشبه “ثوراً هائجاً في مستودع الخزف”، يدمر في صراعه الصفري كل مظاهر الحياة والمجتمع والدولة.
أولا: تشريح “الأرضية المعطوبة” وبنية الأبارتهايد المُقنّع
لا يمكن فهم الانهيار الحالي دون العودة إلى اللحظة التأسيسية للدولة السودانية الحديثة. لقد ورثت نخب ما بعد الاستعمار جهازاً دولاتياً صُمم خصيصاً للاستعمار، أي لإخضاع الأغلبية، واستنزاف الموارد، وتصدير الامتيازات لمركز ضيق. وبدلاً من إعادة صياغة هذا الجهاز ليعبر عن التنوع الاجتماعي والثقافي والجغرافي للشعب، قامت النخب المركزية بـ “سودنة” هذا الامتياز الإقصائي.
هذا هو “الأبارتهايد المُقنّع”؛ نظام لا يعلن عن نفسه عبر قوانين عنصرية صريحة كما كان الحال في جنوب إفريقيا، ولكنه يمارس التمييز عبر أدوات الدولة الناعمة والخشنة. إنه يتجلى في حصر التنمية، التعليم، الخدمات، والقدرة على التأثير السياسي في شريط جغرافي واجتماعي محدد، بينما تُعامل الأطراف والهوامش كمستودعات للموارد البشرية والطبيعية، أو كساحات للحروب بالوكالة. إن العطب هنا ليس انحرافاً في مسار الدولة، بل هو جينها الوراثي الأساسي وطريقتها الوحيدة في العمل.
المعضلة البنيوية: عندما يكون جهاز الدولة مصمماً تاريخياً لإقصاء وتمييز الغالبية العظمى من الشعب، فإن أي محاولة لإدارته دون تفكيكه بالكامل هي محض عملية تجميلية لوجه مشوه، تفضي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بصور أكثر عنفاً.
ثانيا: سيكولوجية النخبة المدنية وجبن الاعتراف
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا ترفض المعارضة والقوى المدنية الاعتراف بهذا العطب الجذري؟ لماذا تصر على تسمية الصراع بأنه صراع بين “ديمقراطية وديكتاتورية” وتتغافل عن أبعاد التمييز الهيكلي؟
يعود ذلك إلى عدة عوامل استراتيجية وسيكولوجية تحكم عقلية النخبة المدنية:
امتيازات المأزق الطبقي والثقافي : إن قطاعاً واسعاً من القيادات المدنية والحزبية في المركز ينتمي فكرياً واجتماعياً إلى الطبقة المستفيدة -تاريخياً- من بنية “دولة 56”. والاعتراف بوجود أبارتهايد مقنع يعني بالضرورة اعتراف هذه النخب بأن شرعيتها، بل ووجودها السياسي نفسه، يقومان على أرضية غير عادلة. إنه يتطلب منها تقويض امتيازاتها الخاصة لصالح كتلة وطنية شاملة، وهو ثمن باهظ تفتقر هذه النخب إلى الشجاعة لدَفعه.
رعب “صندوق باندورا” وتفكيك السردية: تخشى النخب المدنية التقليدية من أن فتح ملف التأسيس الجذري للدولة سيقود إلى تفكيك السردية الوطنية الهشة التي صاغتها حول “الهوية الموحدة”. إنهم يخشون أن يؤدي هذا الاعتراف إلى مطالب راديكالية بإعادة توزيع الثروة والسلطة والأراضي، والاعتراف بالحقوق الثقافية للأقاليم والمهمشين. هذا الخوف يمنعهم من الغوص إلى الجذور، فيفضلون البقاء على السطح حيث الشعارات الفضفاضة آمنة ولا تكلف شيئاً.
التعايش التنظيمي مع التمييز : انعكس عطب الدولة على بنية المعارضة نفسها. إن الأحزاب المدنية والكيانات المهنية تعاني من ذات “المركزية الخرطومية”؛ حيث تُتخذ القرارات في صوالين العاصمة المغلقة بواسطة نخب متشابهة، بينما يُطلب من القواعد في الأقاليم والمهمشين الدفاع عن قرارات لم يشاركوا في صياغتها، تماماً كما وصفت د. ناهد في نقدها لآليات اتخاذ القرار.
ثالثا: التواطؤ “بوعي” أو من غير واعي وإطالة عمر الشمولية
إن افتقار النخبة المدنية للشجاعة جعلها تلعب دوراً وظيفياً خطيراً: تأمين شبكة أمان سياسية وأخلاقية للدولة القديمة كلما أشرفت على الانهيار. ويتجلى هذا التواطؤ (الواعي) أو غير الواعي في متلازمة “الترقيع السياسي” والتسويات الجزئية.
في كل هبة شعبية أو ثورة (أكتوبر 1964، أبريل 1985، وديسمبر 2018)، تنجح الجماهير في زعزعة أركان النظام العسكري. وبدلاً من أن تقود النخبة المدنية هذا الزخم نحو “تأسيس جديد”، تسرع إلى قصر النظر السياسي عبر عقد صفقات ومحاصصات مع “اللجنة الأمنية” أو المكونات العسكرية للدولة القديمة. إنها تمارس السياسة بعقلية “تقاسم الكعكة وليس تغيير الفرن”.
هذا السلوك يمنح الدولة القديمة فرصة ذهبية لامتصاص الصدمات، وإعادة تنظيم صفوفها، والاستثمار في الخلافات المدنية-المدنية. لقد وفرت النخب المدنية في مرحلة ما بعد ديسمبر 2018 الغطاء السياسي والشرعية الدولية لشركائها العسكريين عبر وثيقة دستورية معطوبة، معتقدةً بوهمية مفرطة أنها قادرة على “ترويض” المؤسسة العسكرية والأمنية من داخل الهيكل القديم، متغافلة عن أن هذا الهيكل مصمم لابتلاع المدنيين أو قذفهم خارجاً.
رابعا: الثور في مستودع الخزف وديالكتيكية الانهيار الشامل
عندما ترفض النخب المدنية القيام بمهمتها التاريخية في تفكيك بنية الإقصاء، لا يتوقف الواقع عن الحركة. إن “المجال السياسي والعسكري” يعيد إنتاج نفسه بقوانين أكثر وحشية. وهنا نصل إلى الاستعارة المجازية الدقيقة: الدولة كـ “ثور في مستودع الخزف”.
إن الدولة القديمة، بمؤسساتها العسكرية، وشبكاتها الأمنية والاقتصادية الطفيلية، وحلفائها الأيديولوجيين، تحولت إلى وحش أعمى منفلت من أي عقال مدني أو أخلاقي. لقد تشكل داخلها مراكز قوى متعددة (الجيش،كتائب النظام القديم)، وكل مركز يرى في الدولة غنيمة حصرية له. وعندما انسدت آفاق التسوية السياسية السطحية (كالاتفاق الإطاري) التي عجزت عن ملامسة جذور الأزمة، انطلقت رصاصة حرب أبريل 2023.
ديناميكية “الثور”: الثور لا يملك استراتيجية للبناء؛ طبيعته القائمة على الهيمنة المطلقة تجعله يتحرك بعنف داخل “مستودع الخزف” (الذي يمثل الوطن، البنية التحتية، النسيج الاجتماعي، وحياة المواطنين). كل حركة للثور تكسر جزءاً ثميناً من الخزف، في صراع صفري مدمر لا يمكن لأي طرف فيه أن ينتصر دون أن يقضي على المستودع بأكمله.
لقد عرت الحرب كل الأقنعة. وأثبتت أن الولاء للدولة كان هشاً لأن الدولة لم تكن تمثل أحداً سوى نخبها المحتمية بالسلاح. الثور الآن يدمر المدن، ويهجر الملايين، ويمزق ما تبقى من نسيج اجتماعي، بينما تقف النخب المدنية المركزية على الرصيف، ممزقة بين المعسكرات، عاجزة عن إنتاج “كتلة حرجة” أو الانخراط في تحالف تأسيس. لأنها لا تزال تطرح الأسئلة الخطأ، ولا تزال تخشى مواجهة حقيقة أن الخزف يتكسر لأنهم سمحوا للثور بالبقاء داخل المستودع لسبعين عاماً وزيادة.
خامسا: البديل الاستراتيجي وهندسة التأسيس الجديد
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة، وإنقاذ ما تبقى من “الوطن”، يتطلبان قطيعة معرفية وسياسية كاملة مع الممارسات التقليدية للنخب المدنية. لا يمكن بناء وطن صحيح على أرضية معطوبة، والحل ليس في ترقيع الأرضية، بل في حفر أساسات جديدة تماماً عبر الخطوات الاستراتيجية التالية:
1/ الاعتراف الشجاع والعلني ب “عطب التأسيس الأول”
يجب على أي قوى مدنية تتطلع لقيادة المستقبل أن تمتلك الشجاعة الأخلاقية لتسمية الأشياء بمسمياتها: الاعتراف بأن الدولة السودانية منذ 1956 هي دولة “أبارتهايد مقنع” تمارس التمييز الممنهج ضد أطرافها وغالبية شعبها. هذا الاعتراف ليس ترفاً فكرياً، بل هو الخطوة الأولى لبناء الثقة المفقودة بين المركز والهامش، وهو الذي يمنح المشاريع السياسية شرعيتها الحقيقية أمام الجماهير.
2/ لقطيعة مع سردية “الإصلاح” والتحول نحو “التأسيس”
يجب إسقاط خطاب “إصلاح مؤسسات الدولة القديمة” واستبداله بخطاب “إعادة تأسيس الدولة”. إن مؤسسات القوة العسكرية والأمنية والاقتصادية الحالية غير قابلة للإصلاح لأنها بنيت على عقيدة الإقصاء والبطش وحماية الامتيازات الطائفية الأوليغارشية. التأسيس الجديد يعني صياغة عقد اجتماعي ودستوري جديد من الصفر، يشارك في كفالته وصياغته كل سوداني وسودانية بلا تمييز.
3/ لامركزية العمل المدني وبناء “الكتلة التاريخية”
تفكيك الدولة المركزية يتطلب تفكيك “المعارضة المركزية”. يجب إنهاء احتكار صوالين الخرطوم للقرار السياسي، ونقل ثقل العمل المدني والثوري إلى الأقاليم، والمناطق المتأثرة بالحروب، ولجان المقاومة القاعدية، وناشطي الهوامش. من هنا تولد “الكتلة التاريخية” الحقيقية؛ كتلة أفقية شبكية تتجاوز تحالفات القيادات الفوقية الهشة، وتصهر جراح السودانيين المتعددة (جرح النجاة، جرح الاعتراف، جرح الخوف) في سؤال وطني واحد: كيف نعيش معاً بمساواة كاملة؟
4/ إعادة تعريف السياسة وإخضاع السلاح
يجب تعليق النزاعات الحزبية والأيديولوجية الصغيرة المتصارعة على كعكة السلطة الانتقالية، وتركيز الجهد الجماعي حول هدف واحد وموحد: الإنهاء الشامل والنهائي لظاهرة التسييس العسكري وعسكرة السياسة. إن السلام لن يتحقق بتسوية جديدة تجمع الجنرالات، بل بفرض إرادة مدنية موحدة وعريضة تحيد “الثور” وتخرجه من مستودع الخزف عبر آليات محاسبة دولية ووطنية صارمة، وتأسيس جيش جديد مهني وقومي واحد خاضع بالكامل للقرار المدني.
خاتمة :
إن النخب المدنية السودانية تقف اليوم أمام الاختبار الأخير؛ فإما أن تستمر في إنتاج نفس الأخطاء، والوقوع في ذات الانحيازات التأكيدية، وانتظار الحلول الترقيعية المهبطة من الخارج لحماية ما تبقى من امتيازاتها القديمة، وهو ما يعني التدمير الكامل والنهائي لما تبقى من الدولة والمجتمع تحت حوافر “الثور الهائج”.
وإما أن تمتلك الشجاعة التاريخية لتجاوز ذاتها، والاعتراف بعجزها وتواطؤها القديم، والالتحام مع قوى المجتمع التأسيسي الحية لبناء تيار تأسيسي راديكالي وجديد. إن هندسة وطن صحيح ومعافى يتطلب أولاً الشجاعة للمشي فوق أنقاض الوهم القديم، وإدراك أن خلاصنا لن يكون إلا معاً، فوق أرضية جديدة تُبنى على أنقاض الأبارتهايد المُقنّع، حيث المواطنة هي الحق الوحيد والكرامة هي السقف المشترك.



