
د.خالد تارس
لم تعد الأزمة اليمنية مجرد حرب مؤجلة الحل أو نزاعاً داخلياً بالغ التعقيد، الازمة بدأت تتحول اليوم إلى قنبلة جيوسياسية (موقوتة).. تهدد مستقبل منظومة دول مجلس التعاون الخليجي بأكملها. وما يحدث في اليمن لم يُقاس بعدد الغارات أو جبهات القتال بين الفصائل، يقاس بمدى ما يُحدثه من تآكل في بنية الأمن الإقليمي وتفكك في منظومة التحالفات الدول، وانهيار تدريجي لفكرة الكتلة (الخليجية) المتماسكة، والتي تشكلت على مدار عقود.!
وبحكم الجغرافيا والتاريخ اصبح اليمن هو الخاصرة الجنوبية للخليج، وأي انفجار لا يبقى محصوراً داخل حدوده. فالسعودية بوصفها الدولة (المحورية).. في الخليج تدرك أن اليمن ليس جاراً عادياً، بل مرآة تعكس استقرارها أو هشاشتها للآخرين. ولهذا ظلت الرياض تنظر بعين الريبة إلى أي صراع أيديولوجي أو مذهبي داخل اليمن، واي تحول إلى كيان منقسم أو (راديكالي).. يعني فتح نزاع طويل الأمد على الحدود، وعلى النفوذ، وعلى سرديات التاريخ غير المحسومة.
ان السيناريوهات المطروحة اليوم هي أكثر خطورة من أي وقت مضى. فإنقسام الجنوب وظهور دولة مستقلة يعني إعادة إنتاج نزاعات قديمة بثوب جديد، وإغراق المنطقة في سباق نفوذ إقليمي على الموانئ والسواحل. أما سيطرة الحوثيين على الشمال وتحولهم إلى دولة أمر واقع، فذلك لا يشكل تهديداً أمنياً مباشراً للسعودية فحسب، بل يكسر ميزان الردع التقليدي في الخليج، ويفتح الباب أمام نموذج الدولة ذات الذراع المرتبطة بمحاور إقليمية (مناوئة).!
ولكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في اليمن بقدر ماهو في طريقة إدارة الصراع داخلة. فاللجوء السعودي الأخير إلى خيارات عسكرية مفاجئة في المكلا، وخارج الإيقاع التقليدي للتحالف العربي، شكّل صدمة سياسية قبل أن يكون تحركاً عسكرياً، هذا التحول كشف هشاشة التحالفات التي بُنيت على عناوين كبرى دون معالجة حقيقية لتباين المصالح بين أطرافها. حيث ان توجيه الاتهامات الصريحة أو المبطنة لدولة حليفة بحجم الإمارات، ليس تفصيلاً مرحلياً وانما مؤشراً على تصدع عميق داخل ما كان يُقدَّم كتحالف عربي صلب.!
هنا تبدأ الأزمة اليمنية في التحول إلى أزمة خليجية (بنيوية).. فإذا ما اهتز التحالف السعودي–الإماراتي، فإن ذلك لا ينعكس فقط على مسرح العمليات في اليمن، بل يضرب في الصميم فكرة العمل الخليجي المشترك. فمجلس التعاون الذي تأسس على هاجس الأمن الجماعي سيجد نفسه اليوم أمام واقع انتقالي جديد، دول كبرى داخله تعيد صياغة أمنها القومي بشكل منفرد وتتحرك وفق حسابات خاصة لا وفق رؤية (جماعية).!
هذا المسار يهدد بتحويل الخليج من كتلة استراتيجية (متماسكة).. إلى فسيفساء أمنية متنافسة، حيث لكل دولة مقاربتها وتحالفاتها وأولوياتها. ومع غياب مظلة موحدة، سوف تصبح الساحة الخليجية أكثر عرضة للاختراقات الإقليمية والدولية، ويغدو اليمن السعيد بوابة مفتوحة لتدويل الصراع، لا مجرد ساحة نفوذ..!
ولا يمكن فصل ذلك عن البعد البحري للصراع الكبير. من البحر الأحمر إلى باب المندب وخليج عدن، ليست مجرد خطوط توضيحية على الخريطة، وانما شرايين للاقتصاد العالمي، وأي خلل أمني مستدام في هذه المنطقة يعني تهديداً مباشراً للتجارة الدولية ولسلاسل الإمداد، ولأمن الطاقة. ومع تصاعد التوتر يتحول البحر الأحمر إلى ساحة جذب لقوى دولية ترى فيه (فرصة) لإعادة التموضع الاستراتيجي..!
وفي هذا المشهد المعقّد يتكاثر اللآعبون من الاوزان الثقلية. إيران حاضرة بثقلها عبر الحوثيين لا بوصفهم حليفاً، بل كورقة تفاوض إقليمي. وإسرائيل تراقب بقلق أي تهديد لحركة الملاحة في المنطقة، وتتعامل مع البحر الأحمر كامتداد لأمنها القومي. وترى الولايات المتحدة في اليمن عقدة تتقاطع فيها مصالح الطاقة والأمن البحري واحتواء الخصوم. اما روسيا فتبحث عن موطئ قدم إضافي في جنوب الجزيرة، بينما تراقب مصر المشهد من زاوية قناة السويس، حيث لا مجال للخطأ أو المجازفة هناك.!
وهكذا يتحول اليمن إلى ساحة صراع متعدد الطبقات، فيما يقف الخليج أمام اختبار (وجودي).. فاما أن يعيد تعريف أمنه الجماعي على أسس جديدة أكثر واقعية، أو يترك الأزمة اليمنية تتحول إلى عامل (تفكيك) للكتلة الخليجية نفسها. حيث ان استمرار إدارة الصراع بعقلية التكتيك العسكري دون رؤية سياسية شاملة، لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام واستنزاف الموارد، وفتح الأبواب أمام قوى خارجية لتقرير مصير المنطقة.
إن الأزمة اليمنية اليوم ليست أزمة هامشية، بل هي انعكاس لمستقبل الخليج كله. إما أن تُدار الازمة كمدخل لإعادة بناء منظومة إقليمية أكثر (توازناً).. أو تتحول إلى الشرارة التي تُسرّع بانهيار منظومة اعتُبرت واحدة من أكثر الكتل الاستراتيجية تماسكاً في الشرق الأوسط.




