مناورة الشرعية الإقليمية: كيف يسعى البرهان إلى إعادة إنتاج الحكم العسكري وتفكيك مسارات السلام الدولية؟
التنوير تقرير سعيد رحمة

التنوير تقرير سعيد رحمة
تشير التطورات السياسية الأخيرة في السودان إلى تحركات متسارعة تقودها سلطة بورتسودان بهدف إعادة تشكيل المشهد السياسي وفق رؤية تمنح المؤسسة العسكرية موقع الهيمنة الكاملة على الدولة خلال السنوات المقبلة. وفي وقت تتزايد فيه الدعوات الإقليمية والدولية لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة تقود إلى حكم مدني ديمقراطي، تكشف المعطيات المتداولة عن مشروع سياسي جديد يهدف إلى إعادة إنتاج السلطة العسكرية تحت غطاء دستوري وإقليمي يمنحها شرعية بديلة عن الشرعية الشعبية المفقودة.
وتسلط الوثيقة المسربة المنسوبة إلى مكتب رئيس مجلس السيادة الضوء على ملامح خطة متكاملة تتجاوز مجرد إدارة الحرب إلى صياغة مشروع حكم طويل الأمد يقوم على إعادة هندسة الدولة ومؤسساتها بما يضمن استمرار النفوذ العسكري في قلب السلطة السياسية.
مشروع الخمس سنوات.. تأجيل الديمقراطية باسم الاستقرار
تكشف الوثيقة عن تصور لمرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات كاملة تُدار بواسطة رئيس للجمهورية وحكومة من التكنوقراط تحت إشراف المؤسسة العسكرية، على أن تُجرى انتخابات عامة في نهاية الفترة.
ويرى مراقبون أن هذا المقترح يعكس محاولة لتأجيل الاستحقاق الديمقراطي وإعادة إنتاج نماذج حكم انتقالية طويلة الأمد سبق أن شهدها السودان في مراحل مختلفة من تاريخه السياسي. كما أن ربط الانتخابات بفترة انتقالية ممتدة يمنح السلطة العسكرية وقتاً كافياً لإعادة ترتيب المشهد السياسي وفق شروطها الخاصة.
ويشير محللون إلى أن هذا النموذج لا يختلف كثيراً عن تجارب أخرى في المنطقة استخدمت فيها الحكومات الانتقالية المطولة كوسيلة لترسيخ الأمر الواقع وإضعاف القوى المدنية المنافسة.
تفكيك المبادرات الدولية وإغلاق المنصات الخارجية
أحد أبرز ملامح المشروع يتمثل في الرفض الصريح لأي مخرجات سياسية تصدر عن مؤتمرات أو منصات حوار تُعقد خارج السودان.
ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره محاولة مباشرة لتحييد المبادرات الدولية والإقليمية التي تسعى إلى بناء توافق سياسي واسع بين الأطراف السودانية. كما يعكس رغبة واضحة في نقل مركز صناعة القرار بالكامل إلى الدوائر المرتبطة بالسلطة العسكرية، بعيداً عن الضغوط الدولية والمطالب المتزايدة بإطلاق عملية انتقال مدني شاملة.
ويرى متابعون أن استبعاد المنصات الخارجية لا يستهدف فقط المبادرات الدولية، بل يهدف كذلك إلى تقليص دور القوى السياسية والمدنية الموجودة خارج مناطق سيطرة الجيش والتي أصبحت جزءاً أساسياً من أي نقاش يتعلق بمستقبل السودان.
بناء شرعية جديدة عبر المحور الإقليمي
تكشف الوثيقة أيضاً عن سعي حثيث لبناء شرعية سياسية واقتصادية جديدة تستند إلى تحالفات إقليمية، خصوصاً مع المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج.
وتعتمد الخطة على توسيع التعاون الاقتصادي وتفعيل آليات التنسيق الاستراتيجي مع الشركاء الإقليميين، باعتبار ذلك مدخلاً للحصول على دعم سياسي واقتصادي يساعد السلطة القائمة على تجاوز أزمتها الداخلية.
ويعتقد خبراء أن هذه المقاربة تستهدف تعويض التراجع الكبير في الشرعية السياسية الداخلية عبر اكتساب اعتراف ودعم خارجيين، بما يتيح للسلطة العسكرية تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على إدارة الدولة وإعادة الإعمار بعد الحرب.
الحركات المسلحة بين الاحتواء والتقييد
جانب آخر من المشروع يتعلق بالعلاقة مع الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا أو المتحالفة مع سلطة بورتسودان.
فبحسب التقديرات السياسية، تسعى الخطة إلى ضمان استمرار هذه الحركات داخل المظلة العسكرية الحالية ومنع ظهور مواقف مستقلة قد تفتح الباب أمام تحالفات سياسية جديدة أو تسويات مختلفة عن الرؤية التي تتبناها القيادة العسكرية.
ويُنظر إلى هذه المساعي باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى المحافظة على تماسك المعسكر المؤيد للسلطة الحالية، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السياسية والعسكرية السودانية.
إعادة تعريف الحرب وإعادة احتكار الدولة
من أهم النقاط التي تبرزها الوثيقة محاولة إعادة تقديم القوات المسلحة باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للدولة السودانية، وليس مجرد طرف رئيسي في النزاع الدائر.
ويمثل هذا التوجه جزءاً من معركة سياسية وإعلامية تهدف إلى إعادة صياغة السردية الرسمية للحرب، بحيث تظهر المؤسسة العسكرية بوصفها حامية للدولة ووحدتها الوطنية، في مقابل تقليص الاعتراف بوجود أطراف أخرى تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً على الأرض.
ويحذر مراقبون من أن هذا النهج قد يؤدي إلى تعقيد فرص التسوية السياسية، لأنه يتجاهل الحقائق التي أفرزتها الحرب ويُبقي على منطق الإقصاء بدلاً من البحث عن حلول قائمة على التوافق والشراكة الوطنية.
مستقبل العملية السياسية على المحك
في المحصلة، تعكس الوثيقة المسربة رؤية سياسية متكاملة تسعى إلى إعادة ترتيب السودان تحت قيادة عسكرية ممتدة زمنياً ومدعومة إقليمياً، مع تقليص أدوار القوى المدنية والمبادرات الدولية في رسم مستقبل البلاد.
ويرى خبراء أن نجاح أي عملية سلام مستدامة يتطلب معالجة جذور الأزمة السودانية عبر حوار شامل لا يستثني الأطراف الفاعلة، وإقامة ترتيبات انتقالية تقوم على التوافق الوطني الواسع، لا على فرض تصورات أحادية من أي طرف.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية، تبدو محاولات إعادة إنتاج الحكم العسكري خياراً محفوفاً بالمخاطر، قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع بدلاً من فتح الطريق أمام تسوية سياسية عادلة وشاملة تنهي معاناة السودانيين وتؤسس لدولة مستقرة وقابلة للحياة.




