بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من الحرب: السودان بين التفكك وهيمنة العسكر والإسلامويين
التنوير: تقرير

التنوير : تقرير
بعد ما يقارب ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، يقف السودان عند حافة انهيار شامل يهدد وجود الدولة وتماسك المجتمع. تحذيرات متصاعدة أطلقتها عشرات المنظمات الحقوقية السودانية والإقليمية والدولية تشير إلى أن النزاع الجاري لم يعد مجرد أزمة سياسية عابرة، بل تحول إلى مسار تدميري طويل الأمد، تُدار فيه البلاد بمنطق السلاح، في ظل قيادة عسكرية مختطف قرارها، واستجابة دولية لا ترقى إلى حجم الكارثة.
في بيان مشترك وقّعت عليه أكثر من 60 منظمة حقوق إنسان، أكدت هذه الجهات أن استمرار الحرب يعكس فشلًا مركبًا: فشل القيادة المحلية في تقديم حل وطني، وعجز المؤسسات الإقليمية عن فرض مسار جاد للسلام، وتراخي المجتمع الدولي في حماية المدنيين ومحاسبة الجناة.
حرب تجاوزت الصراع على السلطة
اندلع النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، على خلفية خلافات حول ترتيبات الانتقال السياسي وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية. غير أن هذه الأسباب سرعان ما تلاشت أمام واقع جديد، تحولت فيه الحرب إلى صراع شامل ضد المجتمع نفسه.
بحسب البيان الحقوقي، لم يعد النزاع يدور حول السلطة أو النفوذ، بل أصبح حربًا تُستخدم فيها المدن كساحات قتال، وتُستهدف خلالها الأحياء السكنية والمرافق المدنية، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني. هذا التحول عكس، وفق المنظمات، غياب أي اعتبار لحياة المدنيين أو مستقبل البلاد.
حصيلة دموية وانهيار إنساني غير مسبوق
تشير بيانات مستقلة، من بينها تقارير مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح، إلى أن السودان بات من بين أخطر مناطق النزاع في العالم. فقد تجاوز عدد القتلى منذ اندلاع الحرب 150 ألف شخص، غالبيتهم من المدنيين، بينما قُتل عشرات الآلاف خلال العام الأخير وحده.
على المستوى الإنساني، يعيش أكثر من 21 مليون شخص في حالة انعدام أمن غذائي حاد، في حين أُجبر أكثر من 13 مليون سوداني على النزوح، بينهم ملايين اللاجئين في دول الجوار. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المأساة، بل تشير إلى تفكك منظومات الدولة وعجزها عن حماية مواطنيها.
الإسلامويون واختطاف القرار السياسي والعسكري
من أخطر ما خلصت إليه التحليلات الحقوقية والسياسية هو أن استمرار الحرب لا يمكن فصله عن عودة الإسلامويين إلى واجهة المشهد عبر المؤسسة العسكرية. فمع اندلاع النزاع، أعادت شبكات النظام السابق التموضع داخل الجيش والأجهزة الأمنية، واستعادت نفوذها على القرار السياسي والعسكري.
يرى مراقبون أن هذه القوى وجدت في الحرب فرصة لإجهاض أي مسار انتقالي، وإعادة إنتاج سلطتها التي أطاحت بها ثورة ديسمبر. الخطاب التعبوي الذي يصوّر الحرب كمعركة “مصيرية” لم يكن، في جوهره، سوى غطاء لإقصاء القوى المدنية، ومنع أي تسوية سياسية تهدد مصالح الدولة العميقة.
الجيش ومراوغة البرهان: سلام في الخطاب وحرب في الواقع
رغم التصريحات المتكررة لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان بشأن الانفتاح على الحلول السياسية، تؤكد الوقائع الميدانية أن هذه المواقف لم تتجاوز حدود المناورة. فقد تبنى البرهان خطابًا مزدوجًا: تطمينات خارجية عن الاستعداد للسلام، في مقابل تمسك داخلي بخيار الحسم العسكري.
الجيش رفض، في أكثر من مناسبة، وقفًا دائمًا لإطلاق النار، وعطّل فتح ممرات إنسانية مستقلة، واشترط إنهاء خصومه عسكريًا قبل أي مسار سياسي. هذه المواقف، بحسب المنظمات الحقوقية، تعكس تأثير التيار الإسلاموي داخل المؤسسة العسكرية، الذي يرى في السلام تهديدًا مباشرًا لعودته الكاملة إلى السلطة.
عسكرة الدولة وإجهاض الانتقال المدني
أسهمت الحرب في ترسيخ عسكرة الدولة بشكل غير مسبوق. فقد جرى تعليق المسار الانتقالي عمليًا، وإقصاء القوى المدنية من أي دور سياسي فاعل، وإعادة تمكين عناصر النظام السابق داخل مؤسسات الدولة تحت غطاء “الظرف الاستثنائي”.
هذا المسار أعاد إنتاج نمط الحكم العسكري، وأغلق المجال العام، وكرّس سلطة السلاح بوصفها المرجعية الوحيدة، ما جعل أي حديث عن تحول ديمقراطي حقيقي مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
القضاء كسلاح سياسي
سلّط البيان المشترك الضوء على الانهيار الواسع في استقلال القضاء، حيث جرى توظيف المنظومة العدلية في الصراع السياسي. محاكمات تفتقر إلى معايير العدالة، وأحكام قاسية بحق مدنيين ومعارضين، واعتقالات تعسفية على أسس سياسية وعرقية، أصبحت أدوات لتصفية الخصوم وبث الخوف.
هذا الاستخدام السياسي للقضاء عمّق الانقسامات المجتمعية، ورسّخ ثقافة الإفلات من العقاب، وقوّض أسس العدالة الانتقالية.
عجز إقليمي وصمت دولي
انتقدت المنظمات الحقوقية بشدة ضعف أداء المؤسسات الإقليمية، بما فيها الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، معتبرة أن عجزها عن فرض مسار سياسي ملزم ساهم في إطالة أمد الحرب. كما حمّلت المجتمع الدولي مسؤولية الاكتفاء ببيانات القلق، دون الانتقال إلى إجراءات تنفيذية تحمي المدنيين وتفرض المحاسبة.
المجتمع المدني: آخر خطوط الصمود
رغم الانهيار شبه الكامل لمؤسسات الدولة، أشاد البيان بالدور الحيوي الذي لعبه المجتمع المدني، خاصة غرف الطوارئ وشبكات الدعم الشعبي، التي قادها متطوعون وشباب لتوفير الغذاء والعلاج وعمليات الإجلاء في ظروف شديدة الخطورة.
بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من الحرب، بات واضحًا أن استمرار النزاع ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات سياسية وعسكرية، يقف في مقدمتها اختطاف الإسلامويين لقرار الجيش، ومراوغة قيادته لمسارات السلام. إن أي عملية سلام ذات مصداقية لا بد أن تكون بقيادة المدنيين السودانيين، وتضع حماية المدنيين والمساءلة في صدارة أولوياتها، وإلا فإن البلاد ماضية نحو تفكك كامل يصعب تداركه.




