
مؤيد الأمين
شهدت مدينة أم درمان خلال الأيام الأخيرة تصاعداً مقلقاً في شكاوى المواطنين من تجاوزات وانتهاكات من القوات المشتركة المنتشرة داخل المدينة. وتتحدث عن حالات نهب وابتزاز وتفتيش قاسٍ للمواطنين وسائقي الشاحنات، واخذ ممتلكاتهم وحتى ممتلكاتهم الشخصية من جوالات واموال،حتى أصبح الخروج إلى بعض المناطق محفوفاً بالخوف والقلق على الأرواح والممتلكات.
هذه الاتهامات، بما تحمله من خطورة، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد “تفلتات فردية” أو أحداث عابرة. فحين تتكرر الشكاوى وتتسع دائرة الحديث عنها، يصبح السؤال الأساسي موجهاً إلى الدولة نفسها: أين دور حكومة (البرهان) والجيش والأجهزة العدلية المستطنعة في حماية المواطن والتحقيق في هذه الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها ؟
لقد رُفع منذ بداية الحرب شعار أن “أمن المواطن خط أحمر”، وتم تقديم الحرب للرأي العام باعتبارها معركة من أجل حماية الوطن واستعادة الاستقرار. و (امن وحق المواطن اولا”)لكن قيمة هذا الشعار تُقاس بالفعل لا بالخطاب؛ فإذا كان المواطن يشعر بالخوف من قوات المشتركة المنتشرة داخل مدينته، وإذا كانت حقوقه وممتلكاته عرضة للانتهاك منهم دون حماية أو إنصاف، فإن الحديث عن الأمن يفقد معناه الحقيقي.
الأخطر من ذلك أن بعض المنابر الإعلامية والسياسية تميل إلى التقليل من حجم هذه الاتهامات أو تقديمها في إطار مبررات عامة، مثل مكافحة التفلتات أو ملاحقة الخارجين عن القانون. غير أن أي خطاب إعلامي لا يجوز أن يتحول إلى غطاء للتجاوزات والجرائم المرتكبة أو بديلاً عن التحقيق المستقل والشفاف. فالإعلام المسؤول لا يبرر الانتهاكات، بل يطالب بكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من يثبت تورطه.
إن السلطة التي تسمح بوجود قوة فوق المساءلة تكون شريكة في الافعال والجرائم وتراجع ثقة المواطنين فيها. فلا يمكن بناء وطن آمن بينما يشعر الناس أن القانون لا يُطبق على الجميع بالقدر نفسه، أو أن بعض الحلفاء السياسيين والعسكريين يتمتعون بحصانة غير معلنة.
المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو تصعيد الخطاب السياسي، بل خطوات واضحة وحاسمة في محاسبة عناصر المشتركة واجلائهم الى واجهات القتال وليس وجودهم وسط المدن
بعد أحداث أم درمان، ومحاسبة أي عنصر يثبت تورطه في انتهاك حقوق المواطنين أو الاعتداء على ممتلكاتهم. كما يجب ضبط انتشار القوات داخل المدن وربط أي عمل أمني بالقانون والرقابة والمساءلة.
إن حماية المواطن ليست منحة من سلطة أو جماعة، بل هي واجب السلطة والجيش الأول. وأي حكومة تتردد في مواجهة التجاوزات خوفاً من خسارة حليف أو إرباك توازن سياسي، فإنها تدفع المواطنين إلى فقدان الثقة في العدالة .
يبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته بالفعل لا بالكلمات: هل ستنتصر السلطة للقانون وأمن المواطن، أم سيظل الإفلات من المحاسبة هو الرسالة الأخطر التي تُرسل إلى الشارع؟




