
نجم الدين دريسة
الإعلام الحر لا يصفق للحاكم بل يوقظه قبل السقوط…الحقيقة التي تزعج السلطة أفضل من كذبة تريح الجميع
هناك لحظات نادرة في تاريخ الشعوب يصبح فيها الكلام عن الإعلام أكثر أهمية من الكلام عن السياسة نفسها، لأن السياسة يمكن أن تخطئ وتصحح أخطاءها، ويمكن أن تتعثر ثم تنهض من جديد، أما حين يمرض الإعلام فإن المجتمع كله يفقد إحدى أهم حواسه، ويصبح كمن يسير في طريق مجهول وهو يعتقد أنه يعرف وجهته. وفي السودان الذي يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي تتداخل فيه أحلام التغيير مع تعقيدات الحرب وإرث الدولة القديمة وتطلعات المستقبل، تبرز قضية الإعلام باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية وتأثيراً في نجاح أو فشل أي مشروع وطني جديد.
ليست المشكلة الحقيقية في أن تخطئ الحكومات، فالأخطاء جزء من الطبيعة البشرية وجزء من العمل العام، لكن الكارثة تبدأ عندما تتوقف الحكومات عن رؤية أخطائها، وعندما تتوقف المؤسسات الإعلامية عن إخبارها بالحقيقة. عندها لا يصبح الإعلام وسيلة لمعرفة الواقع، بل يتحول إلى ستار كثيف يحجب الواقع عن أصحاب القرار، فيظنون أن كل شيء يسير على ما يرام بينما تتراكم الأزمات تحت أقدامهم بصمت حتى تنفجر دفعة واحدة.
لقد عرفت البشرية أنظمة كثيرة امتلكت الجيوش والأموال والأجهزة والسلطات الواسعة، لكنها انهارت لأنها فقدت القدرة على سماع الحقيقة. لم تسقط بسبب خصومها بقدر ما سقطت بسبب أولئك الذين كانوا يصفقون لها صباح مساء ويقنعونها بأنها تسير في الاتجاه الصحيح بينما كانت تقترب من حافة الهاوية. ولذلك فإن أخطر أنواع الإعلام ليس الإعلام المعارض، وإنما الإعلام الذي يتخلى عن دوره الرقابي ويتحول إلى موظف علاقات عامة يعمل على تحسين صورة السلطة مهما كانت الوقائع على الأرض.
في المراحل الانتقالية تحديداً تصبح هذه القضية أكثر خطورة. فالمجتمعات الخارجة من الحروب أو الثورات أو التحولات الكبرى تكون مفعمة بالأمل ومثقلة بالتوقعات في الوقت نفسه. الناس ينتظرون تغييراً حقيقياً في حياتهم اليومية، وينظرون إلى السلطة الجديدة باعتبارها فرصة للخروج من الأزمات القديمة. وفي مثل هذه الظروف قد تنشأ إغراءات كبيرة أمام الإعلام ليتحول من ناقل للحقيقة إلى صانع للتفاؤل المصطنع، ومن مراقب للأداء إلى مبرر للإخفاقات، ومن لسان للمواطن إلى متحدث باسم المسؤولين.
لكن التاريخ يعلمنا أن الأمل الحقيقي لا يُبنى على الأوهام، وأن التفاؤل الذي لا يستند إلى وقائع يتحول سريعاً إلى خيبة أمل. فالشعوب تستطيع أن تتحمل الصعوبات إذا شعرت بأن هناك صدقاً وشفافية ومسؤولية، لكنها لا تغفر بسهولة لمن يحاول إقناعها بأن معاناتها غير موجودة أو أقل مما هي عليه.
من هنا تبرز الحاجة إلى إعلام جديد في السودان، إعلام لا يرى نفسه جزءاً من السلطة ولا جزءاً من المعارضة، بل جزءاً من المجتمع. إعلام يدرك أن وظيفته الأولى ليست الدفاع عن المسؤول ولا مهاجمته، وإنما الدفاع عن الحقيقة أينما كانت. فإذا نجحت الحكومة قال إنها نجحت بالأرقام والوقائع، وإذا أخفقت قال إنها أخفقت بالأدلة نفسها. ذلك لأن الحقيقة لا تنتمي إلى طرف سياسي، بل تنتمي إلى الوطن كله.
إن الإعلام الفاعل لا يُقاس بعدد الأخبار التي ينشرها أو بعدد المسؤولين الذين يستضيفهم، وإنما يُقاس بقدرته على التأثير في حياة الناس. عندما يكشف خللاً في مستشفى فيتم إصلاحه، أو يسلط الضوء على أزمة خدمية فتجد طريقها إلى الحل، أو يطرح أسئلة صعبة تدفع المسؤولين إلى مراجعة قراراتهم، فإنه يكون قد أدى دوره الحقيقي. أما عندما يكتفي بإعادة إنتاج الخطاب الرسمي دون تمحيص أو مساءلة فإنه يفقد قيمته شيئاً فشيئاً مهما بلغت إمكاناته التقنية أو حجم انتشاره.
وما يحتاجه السودان اليوم ليس إعلاماً يبحث عن الشعبية الرخيصة، ولا إعلاماً يبحث عن رضا أصحاب النفوذ، وإنما إعلاماً يبحث عن المصلحة العامة. إعلاماً يفهم أن الوطنية لا تعني الصمت على الأخطاء، وأن دعم الدولة لا يعني التغاضي عن القصور، وأن الوقوف مع مشروع التغيير لا يعني تزيين العيوب أو إخفاء الحقائق. فالوطنية الحقيقية هي أن تساعد الدولة على أن ترى نفسها بوضوح، وأن تمنعها من الوقوع في أخطاء كان يمكن تفاديها لو وجدت من ينبهها في الوقت المناسب.
ولعل من أخطر الأمراض التي أصابت التجارب السياسية في منطقتنا العربية ظاهرة التقارير الوردية. تلك الحالة التي يصبح فيها كل شيء ممتازاً على الورق بينما يروي الواقع قصة مختلفة تماماً. المسؤولون يتلقون إشادات متواصلة، والمؤسسات تُصوَّر وكأنها تعمل بكفاءة مثالية، والإنجازات تُضخَّم إلى حد الأسطورة، بينما يشعر المواطن بأن ما يسمعه لا يشبه ما يراه بعينيه. وعندما تتسع المسافة بين الخطاب الإعلامي والواقع المعيش تبدأ الثقة في التآكل، ليس فقط تجاه الإعلام، بل تجاه المشروع السياسي كله.
إن الثقة هي أثمن ما تملكه أي مؤسسة إعلامية. وهي رأس مال لا يمكن شراؤه بالأموال ولا فرضه بالقوانين. تُبنى الثقة عبر سنوات من الصدق والمهنية والالتزام بالوقائع، ويمكن أن تنهار في لحظة إذا شعر الجمهور بأنه يتعرض للتضليل أو التوجيه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية للإعلام ليست مع المنافسين أو الخصوم، بل مع إغراء التخلي عن الاستقلالية والانحياز إلى الراحة بدلاً من الحقيقة.
وفي عصر الإعلام الرقمي أصبحت هذه المهمة أكثر تعقيداً وأكثر أهمية في الوقت نفسه. فالمواطن لم يعد ينتظر الصحيفة أو النشرة الإخبارية ليعرف ما يجري. المعلومات تتدفق من كل اتجاه، والصور تنتشر خلال ثوانٍ، والأحداث تُوثق لحظة وقوعها. وفي مثل هذا العالم لا يمكن للإعلام أن يحتفظ بمكانته إلا إذا قدم قيمة مضافة تتمثل في الدقة والتحليل والتفسير والمصداقية. أما الاكتفاء بترديد الروايات الرسمية أو إعادة تدوير الشعارات فلن يكون كافياً للحفاظ على ثقة الجمهور.
إن السودان الذي يحلم به السودانيون بعد سنوات الحرب والانقسام يحتاج إلى إعلام يملك شجاعة الأسئلة الصعبة أكثر مما يملك براعة العناوين البراقة. يحتاج إلى صحفيين يعتبرون أنفسهم ممثلين للمجتمع لا موظفين لدى مراكز النفوذ. يحتاج إلى منصات إعلامية تنظر إلى المواطن باعتباره الغاية النهائية لكل جهد إعلامي، لا مجرد متلقٍ سلبي لما يُبث إليه.
ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام أي إعلام مرتبط بمشروع وطني جديد لا يتمثل في كيفية الدفاع عن المشروع، بل في كيفية حمايته من أخطائه. فالمشروعات السياسية لا تنهار عادة بسبب خصومها وحدهم، وإنما بسبب فقدانها القدرة على النقد الذاتي والمراجعة المستمرة. والإعلام هو الأداة الأهم لتحقيق هذه المراجعة إذا امتلك الاستقلال والشجاعة والنزاهة.
إن الأمم العظيمة لا تُقاس بعدد الذين يمتدحونها، بل بعدد الذين يستطيعون قول الحقيقة فيها دون خوف. والدول القوية ليست تلك التي تخفي عيوبها، بل تلك التي تواجهها بشجاعة وتعالجها بصدق. والإعلام الحقيقي ليس الذي يوزع شهادات الرضا على المسؤولين، بل الذي يحرس المسافة الضرورية بين السلطة والمجتمع حتى لا تبتلع إحداهما الأخرى.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل الإعلام في السودان: هل سيكون مرآة يرى فيها أصحاب القرار الواقع كما هو، أم سيكون مجرد طلاء لامع يخفي الشقوق المتسعة في الجدار؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير المؤسسات الإعلامية وحدها، بل ستحدد أيضاً مقدار النجاح الذي يمكن أن يحققه أي مشروع وطني يسعى إلى بناء سودان جديد يقوم على الحرية والسلام والعدالة والشفافية. فالأوطان لا تتقدم بكثرة المديح، وإنما بجرأة الحقيقة، ولا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالقدرة على مواجهة الواقع كما هو، ثم العمل على تغييره إلى الأفضل. وحين ينجح الإعلام في أداء هذا الدور، فإنه لا يصبح مجرد ناقل للأحداث، بل يصبح أحد أهم صناع المستقبل.




