رأي

خطاب إلى حكومة التأسيس وإلى المثقفين والجماهير

خضر كوة

أيها السودانيون، أيها المثقفون، أيها القابضون على الأمل وسط الركام، هذا خطاب لحكومة التأسيس التي وُلدت في لحظة قاسية، ولأجل شعب أنهكته الحروب والخراب.

أول ما يجب أن يُقال: حكومة التأسيس ليست عصا موسى. لن تشق البحر في لحظة، ولن تزيل الخراب بين يوم وليلة. هي ليست معجزة، بل مشروع عمل شاق، طويل، يحتاج إلى وعي، وصبر، وتعاون الشعب كله. من ينتظر منها أن تغيّر الواقع فورًا، سيتعب ويُتعبها. ومن يظن أنها مثل الحكومات السابقة، فقد ظلمها وظلم نفسه.

لماذا إذن تكوّنت حكومة التأسيس؟ تكوّنت لأنها اللحظة الأخيرة لإنقاذ السودان. لأنها جاءت بعد سبعين عامًا من الاستقلال، لم تبنِ فيها النخب دولة مواطنة، بل أورثت الخراب. جاءت بعد أن حوّل الإسلاميون الوطن إلى ساحة حرب، وأحرقوا ما تبقى من الدولة. جاءت لأن الشعب لم يعد يملك خيارًا سوى أن يبدأ من جديد.

يا حكومة التأسيس، إن مسؤوليتك ليست إدارة يومية، بل تغيير تاريخي. عليكِ أن تعرّفي السودانيين بالخراب الذي أصابهم، أن تقولي بوضوح: من الذي سرق دولتهم؟ من الذي جهلهم؟ من الذي قسّمهم؟ لماذا انسحب المستعمر تاركًا وراءه شعبًا بلا تعليم كافٍ ولا وعي سياسي متين؟ ولماذا واصلت النخب بعده نفس السياسة؟

لكن مهمتك لا تقف عند كشف الماضي فقط. بل عليك أن تضعي رؤية للخلاص:

أن تجعلي التعليم أول سلاح ضد الجهل الذي فُرض على السودانيين.

أن تعيدي الثروة للشعب، لا للنخب والفساد.

أن تجعلي الثقافة سلاحًا للوحدة لا للتفرقة.

أن تبني دولة على أساس المواطنة بلا تمييز.

وأن تقودي مشروع السلام والعدالة، فلا استقرار بلا محاسبة.

يا مثقفي السودان، دوركم ليس التفرج ولا الانتظار. دوركم أن تشرحوا للناس أن هذه الحكومة ليست عصا موسى، بل هي بداية الطريق. أن تساعدوا في بناء وعي جديد، أن تكونوا جسرًا بين التأسيس والجماهير. فالمعركة ليست معركة حكومة وحدها، بل معركة وعي أمة.

إن التأسيس ليس حكومة عابرة، بل هو لحظة تاريخية: إما أن نصنع منها ميلادًا جديدًا لوطن يليق بتضحيات الشهداء، أو نتركها فتضيع، فنعود إلى جحيم الخراب. الخيار بأيدينا، وبيدكم أنتم، حكومةً ومثقفين وشعبًا..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!