رأي

اتفاق المنامة يعود من الباب الخلفي :بولس والكباشي في مواجهة تيار الحرب 

د. دقاش حسب الله دقاش

 

 د. دقاش حسب الله دقاش

حين تبحث العواصم الكبرى عن مخارج للأزمات الطويلة فإنها لا تبدأ من الصفر، وإنما تعود إلى الأوراق التي أهملتها من قبل وتختبرها مرة أخرى في ظروف جديدة. وهذا هو عين الذي يحدث الآن في السودان مع عودة الحديث عن تفاهمات تشبه إلى حد كبير ما عرف باتفاق المنامة في يناير 2024 بين الفريق شمس الدين كباشي والفريق عبد الرحيم دقلو.

إن لقاء مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية بالفريق كباشي في القاهرة لا يمكن قراءته كحدث بروتوكولي عابر. إنه محاولة واضحة لاختبار إمكانية إنتاج قرار من داخل المؤسسة العسكرية ذاتها، بعد أن بدا جلياً أن الفريق البرهان غير قادر على تجاوز قبضة تيار متشدد داخل الجيش يرى في استمرار الحرب الخيار الأوحد للحفاظ على وجوده بالسلطة.

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تحول المشهد من مواجهة عسكرية مباشرة إلى أزمة قرار داخل بورتسودان. القيادة الرسمية في الواجهة، ولكن القرار الفعلي يمسك به تيار يرفض أي حديث عن تسوية ويعتبر أي تنازل خسارة سياسية وربما قانونية. وفي المقابل تزداد معاناة الدولة والمجتمع، وتتآكل هيبة المؤسسة العسكرية يوماً بعد يوم.

في هذا السياق تحرك مسعد بولس خلال عام 2026 في مسار تنسيق أمريكي واسع مع القاهرة والرياض وأبوظبي حول السودان. وكانت القناعة التي وصلت إليها واشنطن مع الرباعية أن الضغط على البرهان كشخص لم يعد يجدي، وأن الحل يكمن في البحث عن قناة عسكرية بديلة أقل ارتهاناً وأكثر قدرة على مخاطبة منطق الواقع.

هنا برز اسم الفريق شمس الدين كباشي. ليس كشخص محايد، بل لكونه يملك سابقة تفاوضية ظلت حاضرة في الذاكرة السياسية وهي اتفاق المنامة. وقد تحدثت تسريبات عن أن ذلك الاتفاق نص على جيش قومي مهني بعيد عن الولاءات الحزبية، وتفكيك بنية التمكين داخل المؤسسة، ومعالجة ملف المطلوبين للعدالة الدولية عبر آليات قانونية.

كما أن الكباشي ظل طوال الفترة الماضية يظهر كممثل لجناح داخل القيادة يرى أن إطالة أمد الحرب تهدد بقاء المؤسسة في ذاتها. بعكس تيار آخر بقيادة الفريق ياسر العطا يرى في أي تسوية تراجعاً وتفريطاً. وهذا التباين الداخلي هو ما جعل الرباعية تراهن عليه كورقة اختبار.

أما اختيار القاهرة كمكان للقاء فلم يكن صدفة. فمصر هي الحاضنة السياسية والأمنية الأولى للجيش السوداني، وهي في الوقت نفسه لا تريد انهياراً كاملاً للمؤسسة ولا عودة مفتوحة للإسلاميين إلى واجهة الحكم. لذلك أصبحت القاهرة الساحة الأنسب لتمرير رسالة أمريكية واضحة للجيش مفادها: إما أن تقوموا بإنتاج قيادة من داخلكم قادرة على الذهاب إلى تسوية تحفظ هيكل المؤسسة ودولة السودان، وإما أن تتركوا لتيار الحرب قيادة المشهد وحده حتى النهاية وتتحملوا وحدكم تبعات الفشل.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست في الميدان وإنما داخل بورتسودان نفسها. هناك تيار يرى أن استمرار الحرب يعني استنزافاً كاملاً للدولة والجيش والمجتمع، وأن الخروج الآمن يتطلب قراراً شجاعاً بوقف القتال والدخول في مسار سياسي. وهناك تيار آخر يرى أن أي تسوية تعني نهاية سياسية، ولذلك يفضل خيار الحرب حتى النهاية.

ولذلك فإن لقاء بولس والكباشي هو اختبار لقدرة التيار الأول على التحول من موقف فردي إلى كتلة ضغط داخل المؤسسة قادرة على فرض قرار مختلف. وإذا نجح هذا الاختبار فقد نشهد إحياء لنسخة معدلة من اتفاق المنامة، ولكن هذه المرة برعاية إقليمية أكثر صرامة وبضمانات دولية تمنع الالتفاف عليها.

أما في حال فشل الاختبار و احتواء الكباشي أو تهميشه، فإن المشهد سيعود إلى نقطة الصفر وتستمر الحرب بوتيرة أقل حدة ولكن بلا أفق واضح. وإذا تم استخدام اللقاء كمناورة لكسب الوقت دون نية حقيقية للتغيير، فإن ذلك سيعمق الأزمة الإنسانية ويزيد من عزلة المؤسسة دولياً.

وفي النهاية يجب التأكيد على أن عودة روح المنامة لا تعني أن واشنطن اكتشفت الكباشي فجأة، بل تعني أنها وصلت إلى قناعة أن إيقاف الحرب لن يتم عبر هزيمة عسكرية كاملة ولا عبر البرهان المحاصر، وإنما عبر تفكيك كتلة بورتسودان من الداخل وعزل تيار الحرب.

لكن القرار ليس في واشنطن ولا في القاهرة ولا في الرياض. القرار في يد ضباط بالقوت المسلحة أنفسهم، فالقوى الكبرى لا تصنع القادة وإنما تختار من بين المتاحين من يملك شجاعة اتخاذ القرار.

السودان اليوم لا ينقصه الدعم الإقليمي ولا المبادرات الدولية. ما ينقصه هو قرار وطني شجاع يخرجه من دائرة الاستنزاف إلى دائرة البناء. وإذا لم يصدر هذا القرار من داخل المؤسسة العسكرية نفسها فسيفرض من الخارج بشروطه لا بشروطها كمؤسسة.

فإما أن نختار البقاء كدولة ومؤسسات، وإما أن نختار الاستمرار في الحرب فنخسرهما معا.

الخميس 9 يوليو 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!