تقارير وتحقيقات

ارتهان القرار العسكري وتفكيك بنية الدولة القديمة: تحالف التأسيس يواجه الأجندة الإخوانية والتدخلات الإقليمية في السودان

التنوير : تقرير زينب حسن سعيد 

 

التنوير : تقرير زينب حسن سعيد 

تتكشف يوماً بعد يوم أبعاد المخطط الأيديولوجي والإقليمي الذي يكبل مؤسسة الجيش السوداني ويمنعها من التعاطي الإيجابي مع خيارات السلام المستدام. وفي هذا السياق، جاءت الوثائق الحصرية التي كشفت عنها وكالة “رويترز” لتضع النقاط على الحروف، مظهرةً كيف تتحرك قيادة الجيش الحالية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان تحت وطأة الابتزاز السياسي الذي تمارسه عناصر النظام البائد وجماعة الإخوان المسلمين، وبما يخدم المحاور الإقليمية التي تسعى لإبقاء السودان رهينة لسياساتها الخاصة، في مواجهة نهوض شعبي عريض يقوده تحالف السودان التأسيسي لبناء دولة المواطنة المستقلة.

 كواليس المقترح الأمريكي وتفاصيل وثائق “رويترز” السرية

تثبت الوثائق الدقيقة التي اطلعت عليها وكالة “رويترز” في يوليو 2026، وأكد مضمونها مسؤولون كبار، أن المقترح الذي قدمته الإدارة الأمريكية في 20 يونيو الماضي يمثل محاولة دولية جادة لإنهاء الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات. وتضمن المقترح بنوداً واضحة تدعو طرفي النزاع إلى الموافقة الفورية على هدنة إنسانية شاملة لمدة 90 يوماً؛ وذلك كخطوة تمهيدية أساسية لبدء مفاوضات مباشرة تهدف للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يليه انتقال سياسي سلمي بقيادة مدنية يفضي في نهاية المطاف إلى انتخابات ديمقراطية تضمن مشاركة كل السودانيين.

كما كشفت الوثائق أن المقترح الأمريكي تضمن إنشاء آلية متخصصة بإشراف مباشر من الأمم المتحدة لدعم عمليات انسحاب محدودة، مع إعطاء أولوية قصوى لمناطق التماس الملتهبة، وتحديداً شمال دارفور حيث سيطرت القوات مؤخراً على مدينة الفاشر بعد هجوم عسكري عسكري عنيف، بالإضافة إلى شمال كردفان التي تشهد عمليات ميدانية مكثفة. ويمتد المقترح ليشمل رؤية شاملة لتشكيل جيش وطني موحد عبر ترتيبات دقيقة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)، فضلاً عن إطلاق عملية سياسية سودانية خالصة بقيادة مدنية تستبعد بشكل قاطع جماعة الإخوان المسلمين وعناصر المجموعات المسلحة المتهمة بارتكاب انتهاكات.

 شروط البرهان التعجيزية كأداة لعرقلة خطط السلام

بحسب رد سلطة الأمر الواقع الفاقدة للشرعية المؤرخ في 25 يونيو والمذكور في وثائق “رويترز”، فإن البرهان وافق ظاهرياً على معظم البنود، لكنه وضع لغماً تعجيزياً في طريق الحل باعتراضه على مسألة الانسحاب المحدود، مشترطاً الانسحاب الكامل من جميع المدن التي تمت السيطرة عليها منذ تاريخ اندلاع الحرب. هذا الموقف يمثل استمراراً لنهج العرقلة المعتاد، حيث تشير “رويترز” بوضوح إلى أن مطلب الجيش بانسحاب واسع النطاق ظل يمثل “عقبة متكررة” ومقصودة لإفشال جهود السلام في كافة جولات المفاوضات السابقة، خشية مواجهة الحقيقة السياسية الجديدة على الأرض.

وفي المقابل، تجسد الموقف المسؤول لقوات الدعم السريع في تعاطيها الإيجابي مع المبادرة؛ حيث أكد مسؤول كبير في القوات لوكالة “رويترز” تسلّم أحدث مقترح والترحيب به كاملاً مع تقديم رد مكتوب يثبت الرغبة الحقيقية في حقن الدماء. ورغم أن المستشار الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أبدى تفاؤلاً حذراً عبر منصات التواصل الاجتماعي مشيراً إلى أن البرهان “قبل على ما يبدو بدلاً من أن يرفض المقترح”، فإن الوقائع تؤكد أن شروط القيادة العسكرية ما هي إلا مناورة سياسية لامتصاص الضغوط الدولية.

الاختطاف الإخواني الكامل لقرار القوات المسلحة

إن عجز قيادة الجيش عن اتخاذ قرار شجاع بالسلام يرجع بالأساس إلى أن القرار العسكري والسياسي داخل أروقة بورتسودان بات مختطفاً بالكامل من قبل تنظيم الإخوان المسلمين (الحركة الإسلامية) وكتائب الظل التابعة للنظام البائد. يدرك الإخوان تماماً أن بند المقترح الأمريكي الذي ينص صراحة على “إبعاد جماعة الإخوان المسلمين وعناصر الجماعات المتطرفة” من العملية السياسية المستقبلية يعنى نهايتهم التاريخية؛ ولذلك يمارسون ضغوطاً هائلة على البرهان لمنعه من تقديم أي تنازلات، وتوظيف مؤسسة الجيش كواجهة شرعية لحربهم الانتقامية ضد الشعب السوداني.

ولم يعد خافياً أن قادة الجيش يتحركون كدمى في أيدي المجموعات الأيديولوجية التي تدفع نحو استمرار الحرب الشاملة مهما كانت الكلفة الإنسانية، حيث تُدار العمليات العسكرية بناءً على حسابات التمكين الأيديولوجي العائد، ويتم التضحية بمستقبل البلاد وأمنها من أجل الحفاظ على امتيازات السلطة التي سرقها النظام القديم على مدى ثلاثة عقود وصار يخشى زوالها للأبد تحت مظلة التحول المدني.

تصدعات القيادة والخلافات العاصفة داخل الجيش

هذا الارتهان التام للأجندة الإخوانية تسبب في نشوء أزمة داخلية عميقة وتآكل مستمر في الجبهة العسكرية للجيش؛ حيث تعيش هيئة القيادة على وقع خلافات عاصفة وانقسامات حادة بين الضباط المهنيين الذين يطالبون بإنقاذ ما تبقى من المنظومة العسكرية والقبول بالتسوية، وبين التيار الإخواني الراديكالي المتحكم في مفاصل الإمداد والقرار والذي يصر على القتال حتى آخر جندي سوداني.

هذه التباينات الداخلية حوّلت البرهان إلى قائد مكبل بالخوف من الانقلابات الداخلية، وعاجز عن فرض سيطرته على الكتائب العقائدية والمجموعات المسلحة المتحالفة معه والتي باتت تمتلك قرارها الميداني المستقل. هذا التشرذم يفسر التناقض المستمر في تصريحات قادة الجيش، بين لغة دبلوماسية تدعي قبول السلام أمام الوسطاء الدوليين، ولغة تعبوية متطرفة تطلقها المنابر الإخوانية على الأرض لمواصلة التصعيد العسكري والتدخلات الخارجية المشبوهة كجلب الطائرات المسيرة الإيرانية.

الارتهان للأجندة المصرية وحراسة مصالح القاهرة

على صعيد التدخلات الإقليمية المؤثرة في مسار الحرب، يبرز الدور المصري كأحد المانشيتات الأساسية المعيقة للتحول الديمقراطي والسلام. وفي هذا السياق, تؤكد الخبيرة في قضايا الشرق الأوسط، الأستاذة إيمان التجاني، أن الجيش السوداني في وضعيته الحالية يعتبر مؤسسة مرتبطة ومرتهنة تماماً للدولة المصرية، بل هو بمثابة الحارس الأمين لمصالحها الاستراتيجية والأمنية في المنطقة.

وترى التجاني أن القاهرة تسعى بكل ثقلها الدبلوماسي والسياسي للاحتفاظ بالبنية التقليدية للجيش السوداني لمنع قيام دولة مدنية ديمقراطية حديثة ومستقلة قد تعيد صياغة الملفات الحيوية المشتركة كملف مياه النيل والتحالفات الإقليمية بناءً على المصلحة السودانية الخالصة. هذا الارتهان يجعل قرار السلم والحرب في يد قوى خارجية تستخدم دماء السودانيين كورقة ضغط لحماية أمنها القومي الخاص وتثبيت ركائز النظام القديم.

المقاربة السعودية وسردية صناعة حاضنة البرهان

في اتجاه موازٍ، تدخل المملكة العربية السعودية على خط الأزمة السودانية بتبني استراتيجية تتقاطع في أهدافها النهائية مع الرؤية المصرية وإن اختلفت أدواتها؛ حيث يوضح الكاتب والصحفي السياسي، الأستاذ عبد الرحمن أبوزندة، أن الرياض ظلت تسعى بجدية لصناعة حاضنة سياسية ودبلوماسية جديدة للفريق أول عبد الفتاح البرهان، محاولةً إيجاد صيغة تبعده ظاهرياً عن التيار الإسلامي الفج، ولكنها تبقيه في الوقت نفسه على رأس السلطة كحليف أساسي.

ويشير أبوزندة إلى أن الثقل السياسي الذي ترمي به دولتا مصر والسعودية يهدف بالأساس إلى الإبقاء على جيش الدولة القديمة كركيزة وحيدة لما يسمونه “دولة ما بعد الحرب”، في محاولة للالتفاف على توازنات القوى الجديدة والقفز فوق تطلعات الشعوب السودانية. هذه المقاربات الإقليمية الفوقية تسعى لفرض تسوية تعيد إنتاج الأزمة وتتجاهل جذور الصراع التاريخي بين المركز والهامش.

تحالف السودان التأسيسي والالتفاف الشعبي العريض

أمام هذا التكالب الإقليمي والارتهان الأيديولوجي لقيادة بورتسودان، اصطدمت كل هذه المخططات بصخرة الوعي والاصطفاف الشعبي غير المسبوق حول “تحالف السودان التأسيسي”. يمثل هذا التحالف العريض الكتلة التاريخية الأكبر في تاريخ السودان الحديث، حيث نجح في توحيد الإرادة الوطنية لبناء دولة مستقلة قادرة على اتخاذ قرارها السيادي بعيداً عن إملاءات المحاور.

ويضم التحالف بجانب قوات الدعم السريع، الحركة الشعبية لتحرير السودان، والحركات المسلحة المؤمنة بالتغيير الجذري، إلى جانب القوى الأهلية والزعامات القبلية، والكيانات السياسية والمدنية ذات الثقل الجماهيري العريض. إن هذا الالتفاف الشعبي يثبت أن الشعب السوداني قد حسم خياره تماماً لصالح تفكيك دولة الامتيازات التاريخية، وبناء سودان جديد قائم على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، مؤكداً أن زمن الارتهان قد ولى، وأن مستقبل البلاد يصنعه الملتزمون بتأسيسها الحقيقي على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!