
السلطان إبراهيم ابكر هاشم
شهدت الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة، وتحديداً في تمام الساعة السابعة، تحولاً استراتيجياً فارقاً في مسار العمليات العسكرية؛ حيث تقدمت قوات التأسيس وبسطت سيطرتها الكاملة على حاضرة منطقة كلبس، بعد أن دخلتها وهي خاوية على عروشها إثر فرار جماعي للمجموعات المسلحة التي كانت تتمركز فيها. ومما يثير العجب في هذا السياق، محاولة البعض تسويق هذا التراجع المذل وتبسيطه عبر قراءة ساذجة تزعم أن الأمر جاء نتاج تفاهمات سياسية أو أوامر بالانسحاب، غير أن هذا التحليل ليس سوى محض هراء وتزييف للحقائق الميدانية الواضحة، ولا يستند إلى أي منطق عسكري أو سياسي سليم.
إن القراءة الواقعية للمشهد العسكري تُسقط فرضية الانسحاب المنظم جملة وتفصيلاً، حيث تشير الوقائع الميدانية إلى أن قوات التأسيس توغلت بتعزيزات ضخمة ليلة الجمعة، وبمجرد أن تسربت أنباء هذا التحرك الكثيف إلى مسامع ما يُسمى بالقوات المشتركة، دبت حالة من الذعر والهلع في صفوفهم؛ فأمضوا ليلتهم في هروب عشوائي وجماعي، مستخدمين الدراجات النارية والدواب، حتى وصلت طلائعهم الهاربة إلى عمق الأراضي التشادية الشقيقة مستجيرة بمعسكرات اللاجئين. ومن المعلوم عسكرياً أن أي انسحاب ناتج عن تفاوض يتطلب بالضرورة التزاماً بجدول زمني وترتيبات لوجستية مسبقة لانجاحه، وهو ما انتفى تماماً في حالة كلبس؛ مما يؤكد بلا يدع مجالاً للشك أن ما حدث هو تحرير عسكري فرضته القوة الميدانية، وليس انسحاباً اختيارياً مقيداً باتفاق.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الهزيمة الميدانية، بل عمدت تلك المجموعات الهاربة إلى التخطيط لسيناريوهات بديلة بهدف الالتفاف على انتصارات قوات التأسيس، حيث تشير المعلومات الاستخباراتية إلى محاولتهم نصب كمين عسكري في منطقة جبدة العود المتاخمة للحدود التشادية، غربي قرية سيقبا، تمهيداً للتراجع مجدداً نحو العمق التشادي؛ وتستهدف هذه التحركات البائسة صناعة أزمة دبلوماسية وخلق وقيعة وفتنة في العلاقات الثنائية بين الدولتين الشقيقتين، في استنساخ مكرر لسيناريو معركة سويني السابقة التي سقط فيها ضباط وجنود، قبل أن يتدارك الحكماء من الجانبين الموقف بحكمة وسرعة لحقن الدماء وحفظ الجوار.
وثمة مؤشرات ميدانية وسياسية أخرى تدحض تماماً أطروحة التفاوض السلمي، ومن أبرزها تدفق حشود عسكرية جديدة للمليشيات الكيزانية عبر طريق الدبة لدعم الفلول الهاربة، وهو سلوك لا يستقيم مطلقاً مع فرضية التهدئة أو التفاهم المسبق، بالإضافة إلى التعويل المستمر لقادة تلك المجموعات على ما يصفونه بنسور الجو، والضربات الجوية التي شاركت في المعارك جنوبي جبل مون؛ مما يبرهن على أن الخيار العسكري والمواجهة هما المحركان الوحيدان للأحداث.
بناءً على هذه المعطيات، فإن معركة كلبس لا تُمثّل محطة نهائية، بل هي حلقة في سلسلة ممتدة من العمليات العسكرية المستمرة؛ فالتحرير لن يتوقف عند هذه الحدود، بل سيتواصل بعزيمة وإصرار حتى تطهير الحرة وواحة العنج، وصولاً إلى تحرير التراب السوداني بأكمله من قبضة المليشيات. وكما سطر التاريخ دائماً، فإن إرادة الشعوب لا يمكن قهرها، وإذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، وما النصر إلا من عند الله العلي القدير.




