
محمد غافل
1- ظروف النشأة والتأسيس
لم تولد اللجان المدنية السودانية في فراغ، ولم تكن مجرد اسم جديد أضيف إلى قائمة التنظيمات المدنية في السودان، وإنما جاءت استجابةً لتحولات سياسية واجتماعية عميقة فرضتها ثورة ديسمبر المجيدة، ثم أعادت حرب الخامس عشر من أبريل 2023م تشكيلها بصورة أكثر إلحاحًا. ومن هنا جاءت فكرة تأسيس هذا التنظيم باعتباره محاولة لبناء إطار مدني مؤسسي يجمع بين الإرث الثوري والعمل المجتمعي المنظم، ويسعى إلى الإسهام في بناء السلام والدولة وإعادة الإعمار.
وفي هذه السلسلة، نحاول تقديم اللجان المدنية السودانية للقارئ كما هي: كيف نشأت؟ وما الفكرة التي قامت عليها؟ وكيف تطورت تجربتها؟ وما رؤيتها لدورها في حاضر السودان ومستقبله؟
تمثل اللجان المدنية السودانية إحدى المبادرات المدنية التي نشأت في سياق التحولات السياسية التي أعقبت ثورة ديسمبر المجيدة، واستجابةً للمتغيرات التي شهدها السودان بعد اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023م. وقد جاءت فكرة تأسيسها انطلاقًا من إيمان مؤسسيها بأن مسيرة الثورة لم تنتهِ بسقوط نظام الثلاثين من يونيو، وإنما ما زالت مستمرة حتى تحقيق أهدافها الكاملة في بناء دولة الحرية والسلام والعدالة والمواطنة المتساوية.
وترى اللجان المدنية السودانية أن مسؤولية القوى المدنية والثورية لا تقتصر على الاحتجاج وإسقاط الأنظمة، بل تمتد إلى الإسهام في بناء المجتمع، وتنظيم العمل المدني، ودعم مؤسسات الدولة، وترسيخ السلام والاستقرار، والمشاركة في إعادة إعمار السودان على أسس جديدة.
الجذور الفكرية
تنبثق اللجان المدنية السودانية من تجربة لجان المقاومة السودانية التي قادت الحراك الشعبي خلال ثورة ديسمبر المجيدة، ويضم مؤسسوها نخبة من شباب لجان المقاومة الذين شاركوا في العمل الثوري والتنظيمي منذ اندلاع الثورة.
وتؤمن اللجان المدنية السودانية بأن تجربة لجان المقاومة شكلت واحدة من أهم التجارب الشعبية في التاريخ السوداني الحديث، وأسهمت في ترسيخ قيم المشاركة الشعبية والعمل الجماعي والتضحية من أجل الوطن، الأمر الذي جعلها تمثل المرجعية الفكرية والتنظيمية التي انطلقت منها تجربة اللجان المدنية السودانية.
ظروف التأسيس
أدى اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023م إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي والمدني في السودان، وفرض على القوى الثورية تحديد مواقفها من مجريات الأحداث.
وترى اللجان المدنية السودانية أن القوى التي انتمت إلى ثورة ديسمبر تباينت مواقفها بعد اندلاع الحرب؛ فاختار بعض الفاعلين الاصطفاف إلى جانب القوات المسلحة، واختار آخرون الحياد، بينما تبنى مؤسسو اللجان المدنية السودانية موقفًا سياسيًا يقوم على تأييد قوات الدعم السريع، انطلاقًا من قناعتهم بأن ذلك الموقف ينسجم مع رؤيتهم لاستكمال أهداف ثورة ديسمبر المجيدة ومواجهة محاولات عودة القوى التي يعتبرونها امتدادًا للنظام السابق.
وبناءً على هذه الرؤية، رأى المؤسسون أن المرحلة تتطلب إنشاء تنظيم مدني جديد قادر على مواصلة العمل المجتمعي والسياسي بصورة أكثر تنظيمًا، مع الحفاظ على المبادئ التي انطلقت منها الثورة، وتوسيع نطاق العمل ليشمل مجالات التنمية، والسلام، والإغاثة، والخدمات العامة.
من لجان المقاومة إلى اللجان المدنية السودانية
انطلاقًا من هذه القناعة، اتخذ المؤسسون قرارًا باستحداث تنظيم جديد يحمل اسم اللجان المدنية السودانية، ليعبر عن انتقال التجربة من إطار المقاومة الشعبية إلى إطار العمل المدني المؤسسي.
ولم يكن تغيير الاسم تخليًا عن الإرث الثوري، بل كان تعبيرًا عن تطور طبيعي في مسار الحركة، يعكس اتساع نطاق المسؤوليات التي اضطلعت بها اللجان خلال فترة الحرب، وما فرضته من أدوار في مجالات الإغاثة، والخدمات، والصحة، والتعليم، وبناء السلام، والعمل الإنساني.
وتؤكد اللجان المدنية السودانية أنها ما تزال تحمل ذات القيم التي تأسست عليها لجان المقاومة، مع تطوير أدواتها التنظيمية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة.
نواصل…




