رأي

فخاخ الهدن ومعركة الأبيض

محمد البخيت

 

فحيح الافعي : محمد البخيت

في غمرة الصراعات التي تموج بها أرض السودان، تبرز معركة الأبيض كفصل حاسم في سجل التضحيات والآمال. إنها ليست مجرد مواجهة عسكرية على رقعة جغرافية، بل هي نقطة تحول قد تحدد مسار أمة بأكملها. 

وفي خضم هذا المشهد المعقد، تلوح في الأفق دعوات الهدنة، التي وإن بدت في ظاهرها رحمة، إلا أنها قد تكون في جوهرها فخاخًا محكمة الصنع، تمنح العدو فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف، استعدادًا لجولات أطول من الصراع.

كما حدث في الفترة الماضية التي استجابت لها قوات الدعم السريع احساسا بالمسؤولية تجاه المواطنين السودانيين

و استغلها العدو لترتيب اوضاعه و الحنث عن الاتفاق الذي

طرحته فيما يعرف بمبادرة الرباعية الدولية للتوصل لهدنة انسانية .

إن التاريخ يعلمنا أن الهدن، في سياق الحروب الوجودية، غالبًا ما تكون استراحة محارب للطرف المنهك، وليست مقدمة لسلام دائم. فبينما تتقدم قوات التأسيس بخطى ثابتة نحو تحرير الأبيض، تلك المنطقة الاستراتيجية التي لا يختلف أهميتها عن أي مدينة سودانية أخرى تم تحريرها،

تتصاعد الأصوات المنادية بوقف التقدم، و ارتفعت وتيرة المناشدات لقوات تأسيس بعدم دخول المدينة بحجة حماية المدنيين رغم ان قوات تأسيس ملتزمة بقواعد الاشتباك و حماية المدنيين و ملتزمة التزامًا صارما باتفاقيات جنيف و فتحت المسارات الآمنة لخروج لمن يرغب من المواطنين و حدث هذا في العديد من المدن التي تم تحريرها .

هذه الاصوات المرتفعة  

مستندة إلى مناشدات عاطفية تتجاهل عمق المعركة وضرورتها. إن الأبيض، كغيرها من المدن التي عانت ويلات الحرب، ليست مقدسة لدرجة أن تُعفى من مصير المدن التي تحررت لطالما تحولت إلى ثكنات عسكرية وقواعد حربية، تعج بالدبابات والصواريخ والطيران المسير،

وتُستخدم كقيادة متقدمة للجيش الإرهابي. الاستجابة لمثل هذه المبادرات لابد ان تسبقها ضمانات

دولية بعدم تكرار خرق الهدن و الإلتزام الكامل بما اتفق عليه

و تنفيذه دون تردد أو تسويف للتوصل لصيغة سلام شامل و دائم يعالج الازمة السودانية برمتها .

لا يمكن إنكار أن للحرب آثارًا مدمرة ودمارًا يطال الجميع، ولكن الحقيقة المرة هي أنه لا توجد مدن خالية من السكان أو مدن مخصصة لخوض الحرب. فكل المدن السودانية التي تم تحريرها كانت مكتظة بالمدنيين،

والأبيض ليست استثناءً. إن التضحيات التي تُبذل اليوم هي ثمن باهظ، لكنه ضروري لضمان مستقبل لا تُفرض فيه الإرادة بالقوة، ولا تُختطف فيه أحلام الأجيال القادمة.إن معركة الأبيض هي المعركة الفاصلة التي ستحدد مصير مسار التفاوض. إنها النقطة التي سترغم فلول النظام المباد وكتائبه الإرهابية على الذهاب إلى منابر التفاوض دون شروط،

أو ستفضي إلى الهزيمة الساحقة التي تفكك منظومة الدولة العميقة. هذا التغيير الجذري هو السبيل الوحيد لتأسيس دولة وطنية حرة، قادرة على بسط العدالة الاجتماعية وترسيخ مبادئ الديمقراطية الحقيقية، وبناء منظومة دستورية وإدارية جديدة تتسم بالفعالية والشفافية والمساءلة.

إن الرؤية الثورية تتجاوز مجرد التحرير العسكري؛ إنها تتطلع إلى تأسيس جيش وطني قومي يحترم الدستور وإرادة الشعب في النظام الذي يختاره، ليحقق آماله وتطلعاته في حياة كريمة. دولة مدنية كافلة لحرية الفرد والجماعة، يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات. دولة تدير التنوع الثقافي الثري للسودانيين دون تمييز أو إقصاء أو تحيز لجهة أو مجموعة ثقافية أو دينية أو عرقية معينة. وتشكيل حكومة مدنية تستطيع إدارة هذا التنوع الحيوي بطريقة مثلى،

تخرج البلاد من الأزمات التاريخية التي أقعدت بها عن النهوض والتقدم والازدهار.إن الاستجابة لمناشدات الهدنة العاطفية في هذا التوقيت الحرج لن يكون إلا إطالة لأمد المعاناة، وتأجيلاً لحتمية المواجهة التي لا مفر منها. إنها لحظة تاريخية تتطلب الحكمة والشجاعة، والقدرة على رؤية الصورة الكبرى، والتصميم على تحقيق النصر الذي يمهد الطريق لدولة سودانية جديدة، تستحقها الأجيال القادمة.

وهكذا ”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!