
نجم الدين دريسة
تبدو الحروب والنزاعات في السودان – في ظاهرها – صراعات داخلية على السلطة أو امتدادًا لثورات شعبية لم تكتمل، غير أن الحقيقة الأعمق والأكثر مرارة تكشف أن مصر الرسمية ظلت، على مدى أكثر من قرن، تمارس عدوانًا مستمرًا على السودان. هذا العدوان لم يتجسد فقط في الخطاب أو في السياسة، بل في فعل مباشر عبر الجيش السوداني نفسه الذي تحوّل إلى مخلب قط بيد القاهرة، أداة للتدخل السافر والمكشوف، حتى غدا دورها في صناعة الأزمات أمرًا لا يخفى على أحد.
فمصر ما فتئت تتذرع بشعار “الأمن القومي” لتبرير تدخلاتها، لكن هذا الأمن لم يكن يومًا إلا أمنًا مبنيًا على إضعاف السودان وإبقائه تحت السيطرة. ذلك عبر مخابراتها وأذرعها، عملت مصر على تأجيج النزاعات وخلق الفتن، لتقطع الطريق أمام تطلعات السودانيين نحو بناء دولة المواطنة الحديثة. هكذا أُحبطت مرارًا موجات الثورة والهبات الشعبية، ليس بفعل الطغمة المحلية وحدها، بل عبر ارتباط عضوي بين الجيش السوداني والدولة المصرية التي رعت مصالحها وامتيازاتها على حساب السودان وثرواته.
ولعلّ أبرز الأدلة على ذلك ما جرى في ملف مياه النيل، فالاتفاقيات التي وُقّعت في ظل الحقبة الاستعمارية كانت جائرة بحق السودان، إذ منحت مصر النصيب الأكبر واليد الطولى في تقرير مصير النهر، بينما اكتفى السودان بدور الحارس لهذه الامتيازات، ثم جاء السد العالي ليضاعف المأساة؛ تهجير أهالي حلفا، غمر آلاف القطع الأثرية تحت المياه، والتوغل داخل الأراضي السودانية. وما كان ذلك ليتم لولا ضعف الحكومات السودانية وتبعيتها المستمرة للقاهرة. الأمر لم يقف عند هذا الحد، فمصر اغتصبت أراضي حلايب وشلاتين وأبورماد منذ تسعينيات القرن الماضي عقب محاولة اغتيال حسني مبارك، ولا تزال هذه الأراضي تحت الاحتلال حتى اليوم. والأسوأ أن البرهان يواصل نهج التفريط، ملوّحًا بتنازلات جديدة عن أراضٍ سودانية خالصة، وهو “عطاء من لا يملك لمن لا يستحق”.
الجيش السوداني نفسه ظلّ ساحة مفتوحة للاختراق والارتهان. فمنذ انقلاب مايو 1969 الذي قاده جعفر نميري بمساندة مصرية وبتحالف مع الحزب الشيوعي، ثم انقلاب الإسلاميين في 30 يونيو 1989 على حكومة الصادق المهدي، توالت المحطات التي تؤكد أن المؤسسة العسكرية كانت دائمًا الأداة الأكثر فاعلية في يد القاهرة. حكم الإسلامويين أدخل البلاد في أتون الحروب والانتهاكات، ثم قادت سياساتهم إلى عزلة دولية جعلت السودان على رأس قائمة الدول الراعية للإرهاب. وهنا ظهر النفوذ المصري بأوضح صوره؛ إذ انحنى نظام البشير للقاهرة، وفتح الباب أمام تدخلها المباشر، كي يبقى في السلطة ولو بثمن الارتهان الكامل.
اليوم، تحاول المخابرات المصرية عبر أدواتها الإعلامية، وعلى رأسها بعض المحللين مثل الدكتورة أماني الطويل، ترويج سردية جديدة مفادها أن البرهان يسعى إلى “تطهير الجيش من الإسلامويين”. لكن هذه ليست سوى دعاية سوداء هدفها تزييف الوعي. فالجيش الذي وُصف – عن حق – بأنه “أكبر مليشيا في القارة الإفريقية” لم يعد قابلًا للإصلاح؛ حيث أفسده الدهر وأغرقته الولاءات الخارجية، حتى غدا خادمًا لمصالح القاهرة لا لمصالح السودان.
إن إصرار مصر، مدعومة من دول “محور الشر”، على بقاء الجيش ممسكًا بالسلطة لا يعدو كونه محاولة يائسة لذر الرماد في العيون. هذا الجيش، في صورته الراهنة، ليس جيش السودان، بل هو جيش مصر والكيزان معًا. وأي تسوية سياسية يكون فيها الجيش طرفًا رئيسيًا لن تقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها.
الحل الوحيد يكمن في إعادة التأسيس من الجذور؛ بناء جيش وطني جديد، مهني، مستقل، يقوم على أسس عادلة ومستدامة، بعيدًا عن الولاءات الخارجية والتوظيف السياسي. جيش ينتمي لشعبه ووطنه، لا يكون أداة في يد القاهرة أو غيرها، ولا يُستغل كوسيلة لحماية أنظمة فاسدة أو مشاريع خارجية.
وإذا ما تحقق مشروع (تأسيس) جيش وطني مهني يقوم على أسس العدالة والمهنية والولاء الخالص للوطن، فإن السودان سيكون أمام منعطف تاريخي جديد؛ جيش يحمي الدستور ولا ينقلب عليه، يحرس الحدود ولا يفرّط في الأرض، يضع مقدرات البلاد في خدمة التنمية لا في خدمة الجيران أو القوى السياسية. عندها فقط يمكن أن تتفتح آفاق الاستقرار السياسي، وتُستعاد هيبة الدولة، ويُعاد توظيف ثروات السودان الزراعية والمعدنية والحيوانية لصالح شعبه. إن جيشًا كهذا سيكون الضامن الأكبر لوحدة التراب الوطني، والسند الحقيقي لانتقال ديمقراطي مستدام، وبوابة السودان للانفتاح على العالم بصفته دولة ذات سيادة كاملة وقرار مستقل.




