دبلوماسية السلم الأهلي …. حراك الفريق أول دقلو ودور الإدارة الأهلية في بناء «سودان المواطنة والسلام الاجتماعي»
سامر مكين

سامر مكين
يمثل المشهد السوداني الراهن، بكل تعقيداته وتحدياته، أرضية خصبة لتحليل التحولات الاستراتيجية في مقاربات بناء السلام والاستقرار. في هذا السياق، تبرز التحركات المكثفة التي قادها الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لـ «تحالف السودان التأسيسي»، خلال الشهر الماضي، كنموذج فكري وعملي لإعادة تعريف دور الإدارة الأهلية في صياغة السلم المجتمعي. لم تكن هذه التحركات مجرد لقاءات بروتوكولية، بل مثلت استثماراً واعياً في رأسمال اجتماعي طالما تم تهميشه، في محاولة لفك الارتباط بين النزاعات المحلية والأجندات السياسية التي تغذيها فلول «جيش الإخوان المسلمين» والنظام البائد.
لطالما شكلت الإدارة الأهلية، بتركيبتها العميقة وتجذرها في النسيج الاجتماعي، صمام أمان تقليدياً في مواجهة الفتن القبلية. إلا أن «دولة 56»، التي رسخت هيمنة المركز، عملت على إضعاف دورها أو توظيفه لأغراض سياسية ضيقة. ما يميز حراك دقلو، الذي تركز في نيالا ومناطق أخرى بإقليم دارفور، هو إعادة الاعتبار لهذه المؤسسة، ليس كأداة تنفيذية، بل كشريك استراتيجي في عملية «لامركزية السلام».
تؤكد تصريحات دقلو، خلال لقائه مع المكتب التنفيذي للإدارة الأهلية في 20 يونيو 2026، أن «بناء السودان الجديد يبدأ من القرية والبادية»، على رؤية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية المؤقتة إلى بناء سلام مستدام من القاعدة. هذا التوجه يعكس فهماً عميقاً بأن استقرار الأطراف هو مفتاح استقرار المركز، وأن قضايا الأرض (الحواكير) ومسارات الرعي، التي غالباً ما تكون شرارة النزاعات، لا يمكن حلها إلا عبر آليات مجتمعية تتمتع بالقبول والثقة.
يعد الصلح التاريخي بين قبيلتي البني هلبة والسلامات، الذي تم توقيعه في 23 يونيو 2026، تتويجاً عملياً لهذه الفلسفة. فبعد جولات من الاقتتال الدامي، الذي كاد أن يجر المنطقة إلى حرب أهلية شاملة، جاء التدخل الحاسم من قبل «تحالف التأسيس»، ممثلاً في الفريق أول دقلو، ليقلب الطاولة على محاولات تأجيج الصراع.
لم يكن هذا الصلح مجرد هدنة، بل كان «تأسيساً جديداً» لعلاقة مجتمعية تقوم على نبذ خطاب الكراهية وتجريم المحرضين. إن إشراف قادة ميدانيين رفيعي المستوى، مثل العميد البنجوس، على «غرفة عمليات الصلح»، وتضمين بنود صارمة لوقف العدائيات وجبر الضرر، يعكس جدية في تطبيق مخرجات السلام. الأهم من ذلك، أن هذا الصلح لم يقتصر على إنهاء العنف، بل امتد ليشمل إعادة فتح المسارات وتأمين الموسم الزراعي، مما يربط السلام بالاستقرار الاقتصادي والمعيشي للمواطنين.
يحمل هذا الحراك الدبلوماسي الداخلي دلالات استراتيجية متعددة، تتجاوز حدود دارفور لتلامس مستقبل الدولة السودانية
فقد نجحت هذه اللقاءات في عزل القوى التي تسعى لاستغلال النزاعات القبلية لخدمة أجندات سياسية ضيقة، خاصة تلك المرتبطة بفلول النظام البائد و»جيش الإخوان المسلمين».
من خلال تحقيق «السلام الاجتماعي» على الأرض، يرسخ «تحالف التأسيس» شرعيته الشعبية، مقدماً نموذجاً للحكم الرشيد الذي يلامس قضايا المواطنين الأساسية، بعيداً عن صراعات النخب.
ويمثل هذا النهج خطوة جوهرية نحو بناء «سودان المواطنة»، حيث تتجاوز الهوية الوطنية الانتماءات القبلية الضيقة، ويصبح السلم الأهلي ركيزة أساسية للدولة المدنية الديمقراطية المنشودة.
يبرهن حراك الفريق أول محمد حمدان دقلو على أن بناء السلام في السودان يتطلب رؤية استراتيجية تجمع بين الحنكة السياسية والجسارة الميدانية، مع إيمان راسخ بقدرة المجتمعات المحلية على صياغة مستقبلها. إن صلح البني هلبة والسلامات، وما يمثله من نموذج، هو شهادة على أن «رتق النسيج الاجتماعي» ليس مجرد شعار، بل هو فعل تأسيسي يعيد للسودان وحدته وتماسكه في مواجهة تحديات المرحلة الراهنة.




