
نجم الدين دريسة
من يمد آلة الحرب بالوقود لا يستطيع ادعاء صناعة السلام أبداً
لم تعد ازدواجية الموقف السعودي تجاه الحرب السودانية مجرد تناقض دبلوماسي يمكن تغطيته بالبيانات الناعمة والصور البروتوكولية. فالمعطيات التي أوردها تحقيق المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية GISS تضع الرياض أمام اتهام سياسي وأخلاقي بالغ الخطورة: المساهمة في إطالة أمد الحرب، وتقوية سلطة بورتسودان، وتوفير بيئة الدعم لجيش تقاتل تحت مظلته كتائب البراء بن مالك، التي وصفها التحقيق بأنها مصنفة إرهابياً من الولايات المتحدة.
إن الدولة التي تستضيف مفاوضات السلام، ثم تفتح في الوقت نفسه مسارات سياسية ولوجستية وعسكرية لمصلحة أحد طرفي الحرب، لا تمارس وساطة؛ بل تدير ازدواجية محسوبة تمنحها صورة الراعي للسلام ونفوذ الشريك في الحرب معاً. وهذه الازدواجية ليست خطأً عابراً في تقدير المواقف، وإنما سياسة تنعكس نتائجها مباشرة على دماء السودانيين، وعلى استمرار النزوح والدمار والانهيار الذي ابتلع البلاد منذ 15 أبريل 2023.
قدمت السعودية منبر جدة بوصفه منصة لإنهاء القتال وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات. لكن المنبر فقد جوهره عندما تحولت الدولة الراعية إلى سند سياسي متنامٍ لسلطة بورتسودان. فالوسيط لا يمد أحد المتحاربين بأسباب الصمود، ولا يبني معه شراكة استراتيجية، ولا يوفر له مساحات للحركة والاتصال بينما يطالب الطرفين علناً بوقف إطلاق النار. الوساطة التي تسير بمحاذاة الدعم ليست وساطة، بل غطاء دبلوماسي لتدخل منحاز.
وتزداد خطورة الدور السعودي عندما توضع الرحلات الجوية التنفيذية، ومسارات الشحن البحري، وتقارير المدفعية والذخائر والتدريب، والعلاقات الاقتصادية المتصاعدة، داخل صورة واحدة. تحقيق GISS لم يعرض واقعة منفردة يمكن وصفها بالمصادفة، بل تحدث عن شبكة مترابطة من الرحلات والشحنات والشركات واللقاءات والاتصالات. وهذه الشبكة، وفق ما خلص إليه، أسهمت في تعزيز القدرات العملياتية للقوات المسلحة السودانية، ومنحت سلطة بورتسودان قدرة أكبر على مواصلة الحرب ومقاومة الضغوط الرامية إلى إنهائها.
كل مورد يصل إلى آلة الحرب يطيل عمرها. وكل غطاء سياسي يمنح القيادة العسكرية مساحة إضافية لرفض التسوية. وكل علاقة اقتصادية استراتيجية تبعث برسالة مفادها أن استمرار القتال لن يؤدي إلى العزلة، بل قد يفتح أبواب الاعتراف والاستثمار والشراكات. ومن هنا تتحمل السعودية مسؤولية مباشرة عن النتائج السياسية لدعمها، لأنها لم تضغط باتجاه وقف الحرب بقدر ما منحت سلطة بورتسودان أسباباً للاعتقاد بأنها تستطيع القتال والتفاوض من موقع القوة.
ولا تستطيع الرياض الاحتماء بحجة أنها تدعم مؤسسة عسكرية رسمية، لأن الجيش الذي تتعامل معه ليس منفصلاً عن التشكيلات العقائدية التي تقاتل إلى جانبه. كتائب البراء ليست مجموعة بعيدة عن ساحات العمليات، بل قوة شاركت في جبهات الحرب ضمن تحالف الجيش العسكري. وعندما يتلقى هذا التحالف دعماً خارجياً، فإن أثره لا يتوقف عند أبواب القيادة العامة أو مخازن الوحدات النظامية، بل يمتد إلى مجمل البنية القتالية التي تنفذ العمليات على الأرض.
المدفعية لا تسأل عن هوية التشكيل الذي تحمي تقدمه، والذخيرة لا تميز بين جندي نظامي وعنصر في كتيبة عقائدية، والتمويل الذي يخفف العبء عن المؤسسة العسكرية يحرر موارد أخرى يمكن توجيهها إلى حلفائها. لذلك فإن الفصل بين دعم الجيش وتقوية كتائب البراء ليس سوى حيلة سياسية لا تصمد أمام حقائق المعركة. من يدعم التحالف العسكري يدعم قدرته الإجمالية، ومن يقوي مركزه يقوي الأطراف المقاتلة داخله.
وهنا تسقط الذريعة الأخطر: الادعاء بأن الدعم لا يصل مباشرة إلى الجماعة المصنفة إرهابياً. فالمسؤولية لا تُقاس فقط باسم المستلم المكتوب على الأوراق، وإنما بالمستفيد النهائي المتوقع. عندما تكون العلاقة العملياتية بين الجيش وكتائب البراء معلومة وعلنية، يصبح استمرار الدعم قبولاً واعياً باحتمال استفادة تلك الكتائب منه. وتجاهل هذه النتيجة ليس براءة، بل تواطؤ سياسي مع واقع لا يمكن إنكاره.
السعودية التي تقدم نفسها شريكاً دولياً في مكافحة الإرهاب مطالبة بتفسير هذا التناقض الفاضح. كيف تحارب الرياض التنظيمات المتطرفة في خطابها العالمي، ثم تدعم جيشاً يمنح جماعة مصنفة إرهابياً الشرعية الميدانية والغطاء المؤسساتي؟ وكيف تتحدث عن تجفيف منابع التطرف بينما تسهم سياساتها، بحسب مسار التحقيق، في إبقاء الحرب التي تنمو داخلها الجماعات العقائدية وتتوسع وتعيد تنظيم صفوفها؟
الإرهاب لا يحتاج دائماً إلى تحويل مصرفي مباشر يحمل اسم التنظيم. أحياناً يكفي أن تدعم المؤسسة التي توفر له الميدان والسلاح المشترك والغطاء السياسي. وأحياناً يكفي أن تمنع انهيار التحالف الذي يحميه. وفي السودان، تحولت الحرب إلى الحاضنة الكبرى لعودة الإسلاميين وتشكيلاتهم المسلحة، وأصبح استمرارها فرصة ذهبية لهم للظهور بوصفهم قوة قتالية لا يمكن تجاوزها. وكل دولة تسهم في إطالة هذه الحرب تسهم، موضوعياً، في توسيع البيئة التي يعيش فيها التطرف.
إن المسؤولية السعودية لا تنحصر في الأسلحة أو الشحنات المحتملة، بل تمتد إلى الحماية السياسية التي وفرتها علاقتها بسلطة بورتسودان. فاللقاءات رفيعة المستوى، والإعداد لمجلس تعاون استراتيجي، والحديث عن مشروعات واستثمارات مستقبلية، كلها منحت السلطة العسكرية رسالة طمأنة: يمكن مواصلة الحرب اليوم والحصول على الشراكات غداً. وبذلك تحولت العلاقات الاقتصادية من أدوات سلام محتملة إلى مكافأة سياسية لسلطة لم توقف الحرب ولم تفصل نفسها عن الجماعات العقائدية المتطرفة.
لقد كان بوسع الرياض استخدام نفوذها لفرض وقف حقيقي لإطلاق النار، وربط أي تعاون سياسي أو اقتصادي بتفكيك التحالف بين الجيش والكتائب المتشددة، ومنع تدفق السلاح، وإلزام سلطة بورتسودان بمسار مدني. لكنها اختارت، وفق الوقائع التي عرضها التحقيق، بناء علاقة أقوى مع الطرف العسكري بدلاً من ممارسة الضغط الجاد عليه. وهذا الاختيار لم يكن بلا ثمن؛ فقد دفعه المدنيون السودانيون من أرواحهم وأمنهم ومدنهم ومستقبل أطفالهم.
ليس مقبولاً بعد اليوم أن تظهر السعودية أمام الكاميرات بوصفها راعية السلام، بينما تتهمها التحقيقات بإقامة ممرات الدعم للطرف الذي يرفض السلام العادل. وليس مقبولاً أن تستخدم منصة جدة لتجميل صورتها الدولية، في وقت تصبح فيه جدة نفسها، وفق التحقيق، محطة ضمن مسارات رحلات وشحنات ومواد متجهة إلى بورتسودان.
هذه ليست وساطة ناقصة؛ إنها ازدواجية مكتملة. في الواجهة خطابات عن حماية المدنيين، وفي الخلف علاقات تقوي سلطة الحرب. في المنابر دعوات إلى التفاوض، وفي الواقع شراكة تمنح الجيش القدرة على الاستمرار. وفي البيانات حديث عن مكافحة الإرهاب، بينما يستفيد من المنظومة المدعومة حلفاء عقائديون مصنفون إرهابياً.
وعلى المجتمع الدولي ألا يسمح بتحويل صفة الوسيط إلى حصانة سياسية. فالدولة التي تسهم في إطالة الحرب يجب أن تخضع للمساءلة، مهما كان وزنها الاقتصادي أو نفوذها الدبلوماسي. وينبغي فتح تحقيق مستقل في الرحلات والشحنات وصفقات التسليح والتمويل وسلاسل المستفيدين، وتحديد ما إذا كانت موارد سعودية قد عززت بصورة مباشرة أو غير مباشرة قدرات كتائب البراء أو غيرها من الجماعات المتطرفة المتحالفة مع الجيش.
لقد تجاوز السودان مرحلة المجاملات الدبلوماسية. هناك حرب تلتهم دولة كاملة، وهناك ملايين يدفعون الثمن، وهناك قوى إقليمية تتحدث بلسان السلام بينما تضع مصالحها داخل محركات الصراع. والسعودية، بما كشفه تحقيق GISS، ليست مراقباً بعيداً عن المأساة، بل طرفاً تتحمل سياساته قسطاً واضحاً من مسؤولية استمرارها.
لن تمحو منصة تفاوض واحدة أثر طائرة أو شحنة أو صفقة أو غطاء سياسي. ولن تخفي بيانات السلام حقيقة أن الحرب تستمر لأن أطرافها تجد من يساندها ويمنحها القدرة على رفض نهايتها. ومن يختار دعم سلطة بورتسودان، وهي تخوض الحرب متحالفة مع كتائب عقائدية مصنفة إرهابياً، لا يستطيع غسل يديه من النتائج.
السعودية مطالبة بالاختيار بلا أقنعة: إما وقف دعم سلطة الحرب، والضغط لتفكيك تحالف الجيش مع كتائب الإرهاب، والانحياز الصريح إلى السلام المدني؛ وإما تحمل مسؤوليتها بوصفها دولة أسهمت في إطالة الحرب السودانية، ووفرت تحت لافتة الوساطة غطاءً سياسياً لمنظومة عسكرية غذّت الدمار، وقوّت التطرف، وحولت دماء السودانيين إلى ثمن لمشروع نفوذ إقليمي لا يعرف الرحمة.




