
حسن النعمان
في مشهدية سياسية عجيبة، تضرب حكومة بورسودان أروع الأمثلة في التخبط والعبث، وكأنها دولة أطفال يلعبون خلف الجدران، يتناوبون على أدوارٍ مكتوبةٍ بسذاجة مسلسلاتٍ مصريةٍ قديمة، وبأدواتٍ كرتونيةٍ هزيلة. لقد توارى عنهم الصواب، وغابت عن بصيرتهم معالم الطريق، حتى صار الكذب عندهم سجية، والبهلوانية منهجًا، والغثيان الأخلاقي عنوانًا لهم. إنهم يظنون أنفسهم دولةً مؤسسة، بينما هم مجرد نقابةٍ هلاميةٍ تُدار بـ”أرقوزات” التمثيل الرخيص، كلما نادتهم أمهات الحقائق، تفرقوا كلٌّ في وادٍ، تاركين خلفهم كومةً من التناقضات والأكاذيب التي تستفز العقل قبل الضمير.
وقد استوقفتني حادثةٌ هي الأغرب في سلسلة هزلهم السياسي، حين أصدرت محكمة بورسودان حكمًا بالإعدام على المشير محمد حمدان دقلو، حفظه الله في حلّه وترحاله، مع آخرين. والسؤال الذي يفرض نفسه بوقاحة: كيف لمحكمةٍ أن تحكم على شخصٍ ميتٍ؟! لقد سبق لهؤلاء أن أعلنوا وفاته في كل محافلهم، وأشاعوا خبر مقتله عبر الإعلام المرئي والمسموع، حتى شاركت في نشر هذه الإشاعة قنواتٌ كبرى كالجزيرة والعربية والحدث، بل وتجاوزت ذلك إلى الفضائيات الدبلوماسية الرخيصة التي باكت بكل حلاقيمها، وصاح ممثلٌ يزعم أنه هرم الجيش قائلًا: “الفطيس والميت”! أليس من العار أن يحكموا على ميتٍ؟ أم أن الكذب عندهم أصبح عادةً لا يستشعرون معها الخجل، وكأن كل شيء عندهم أصبح بمستوى اللهو غير الأخلاقي.
لقد علمت من الشعراء أن السياسة والدعارة وجهان لعملةٍ واحدة، كما قال نزار قباني راثيًا زوجته بلقيس، ولكنني أقول: إن دولة 56 والجيش المأذون هما الدعارة بعينها، بل وأكثر، إنهم لا يدركون أفعالهم، ولا يفرقون بين الصواب والخطأ، وكأنهم قطيعٌ من الحمير يصفقون لكل كذبةٍ تُروى، ويهللون لكل هراءٍ يُقال، حتى لو بدلوا دينهم، ما داموا يبقون على منسوبهم الضال. إنهم صنعوا أصنامًا يوجهونها حيث شاءت أهواؤهم، يسمعون منها كل الترهات ويصدقونها، ضالين مضلين.
ولكنني على يقين أن محمد حمدان دقلو سيكون رئيسًا لهذا البلد، كرهوا أم فرحوا، وسوف تاسس تأسيس السودان الجديد، فلتستمتعوا بما تبقى لكم من صنم هذه الدولة الهلامية، واحكموا على كل تأسيسٍ جيشًا وشعبًا، وقولوا إن عمل الشيطان ذاهبًا عند البسملة، ولكن تذكروا أنكم ذاهبون إلى مزبلة التاريخ، ولن يعود لكم أبدًا مجدٌ وهمي، إلا الكذبٌ الذي يفضحكم أمام العالمين.




