رأي

نحو نهضة سودانية جديدة: الإنسان أولاً في معركة البناء والتحول

إبراهيم الشيخ بشارة

 

 إبراهيم الشيخ بشارة

لا تنهض الأمم بالصدفة، ولا تصنع المستقبل بالأماني، وإنما تبنيه بالإرادة والرؤية والقدرة على تحويل المحن الكبرى إلى لحظات تأسيس تاريخية. والسودان اليوم يقف أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تتحدد فيها مصائر الشعوب لعقود قادمة. فإما أن يظل أسيراً لدورات الصراع والتهميش وإهدار الإمكانات، أو أن يفتح صفحة جديدة يؤسس فيها لدولة حديثة يكون الإنسان فيها هو الغاية والوسيلة معاً.

لقد دفعت أقاليم السودان، وعلى رأسها دارفور وكردفان والنيل الأزرق، ثمناً باهظاً لعقود طويلة من السياسات التي اختزلت التنمية في المركز، وتركت ملايين المواطنين على هامش الدولة والاقتصاد والقرار السياسي. ولم تكن خسارة تلك الأقاليم في الموارد وحدها، بل في ضياع أجيال كاملة من العقول والكفاءات والطاقات التي كان يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للنهوض الوطني لو وجدت البيئة المناسبة للنمو والإبداع.

واليوم، ومع بروز مشروع السودان الجديد وما يحمله من تطلعات لإعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر عدالة وشمولاً، تصبح المهمة الكبرى هي الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن منطق البقاء إلى منطق التقدم. فالدول لا تقاس بما تملكه من موارد طبيعية فقط، وإنما بما تمتلكه من قدرة على استثمار الإنسان وتحرير طاقاته الخلاقة.

إن التحدي الحقيقي أمام حكومة السلام لا يتمثل في إعادة بناء المؤسسات فحسب، بل في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن. فالمواطن في الأقاليم لم يعد يقبل أن يكون متلقياً للقرارات أو مجرد رقم في الإحصاءات السكانية، بل شريكاً كاملاً في صناعة المستقبل وصياغة الأولويات الوطنية.

ومن هنا يصبح الاستثمار في رأس المال البشري القضية الأكثر إلحاحاً وأهمية. فالعالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، والاقتصادات الحديثة لم تعد تعتمد على الثروات التقليدية بقدر اعتمادها على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار. ولذلك فإن أي مشروع وطني جاد يجب أن يبدأ من المدرسة والجامعة ومراكز التدريب والتأهيل، وأن يمنح الشباب الأدوات التي تمكنهم من المنافسة في عالم تحكمه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة.

إن تحرير الإنسان من الفقر لا يبدأ بالمساعدات وحدها، بل يبدأ بمنحه المعرفة والمهارة والفرصة. وحين يحصل شباب دارفور وكردفان والنيل الأزرق على تعليم عصري وتدريب متقدم وفرص متكافئة، فإنهم لن يكونوا عبئاً على الدولة، بل سيصبحون القوة الدافعة لتحولها الاقتصادي والاجتماعي.

وفي الوقت ذاته، فإن تفكيك إرث التهميش لا يتحقق بالشعارات السياسية أو الخطابات العاطفية، وإنما عبر مشروع حداثي متكامل يعيد رسم الخريطة التنموية للسودان. فالحداثة ليست مفهوماً ثقافياً مجرداً، بل هي طرق معبدة، وشبكات اتصالات، وزراعة ذكية، وخدمات رقمية، ومؤسسات فعالة، واقتصاد مفتوح يربط المنتج المحلي بالأسواق الإقليمية والعالمية.

إن إدخال التكنولوجيا الحديثة إلى قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والتجارة والخدمات من شأنه أن يحول الأقاليم من مناطق استهلاك وهامش اقتصادي إلى مراكز إنتاج ونمو واستثمار. وعندما تصل عوائد التنمية مباشرة إلى المجتمعات المحلية، ستتراجع أسباب الصراع وستتسع مساحة الاستقرار والازدهار.

غير أن نجاح هذا التحول يتطلب إرادة سياسية تتجاوز عقلية المحاصصات والتوازنات الضيقة. فالسودان الجديد لا يمكن أن يبنى بعقلية السودان القديم. وهو يحتاج إلى حكومة تضع الكفاءة قبل الولاء، والخبرة قبل الانتماء، والرؤية قبل الحسابات قصيرة المدى.

إن العالم من حولنا يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة، والدول التي تتأخر عن مواكبة هذه التحولات تدفع ثمناً باهظاً. ولذلك فإن الانحياز للمستقبل لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية تفرضها تحديات العصر.

إن دارفور وكردفان والنيل الأزرق ليست أقاليم هامشية كما حاولت بعض السياسات القديمة أن تصورها، بل هي خزانات بشرية هائلة، ومصادر لا تنضب للإبداع والإنتاج والعطاء. وما تحتاجه ليس الشفقة أو الوعود، بل الفرصة العادلة والمشروع الوطني الذي يطلق طاقاتها الكامنة.

لقد آن الأوان أن ينتقل السودان من مرحلة إطفاء الحرائق إلى مرحلة بناء النهضة، ومن إدارة الأزمات إلى هندسة المستقبل. فالأوطان العظيمة لا تصنعها الجغرافيا وحدها، بل يصنعها الإيمان بالإنسان وقدرته على التغيير.

وإذا كان القرن الماضي قد استنزف السودان في صراعاته، فإن القرن الجديد يجب أن يكون قرن استعادة الإنسان السوداني لمكانته ودوره وحلمه. عندها فقط يمكن أن تتحول الأقاليم التي عانت طويلاً من التهميش إلى مراكز إشعاع حضاري وتنموي، وأن يصبح السودان نموذجاً لدولة نهضت من بين ركام الأزمات لتصنع مستقبلاً يليق بأبنائها وتضحياتهم.

لقد انتهى زمن الانتظار، وبدأ زمن البناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!