رأي

من الحل الإسعافي إلى السياسة الدائمة… سؤال الكهرباء في السودان

منال علي محمود

 

منال علي محمود 

Email: manal002002@gmail.com

أعلنت وزارة الطاقة والنفط وصول بارجة توليد الكهرباء التابعة لشركة “نواوي” إلى ميناء بورتسودان، تمهيداً لدخولها الخدمة بعد استكمال إجراءات الربط والتشغيل. وقالت الوزارة إن التعاقد تم عبر عطاء عالمي لتوفير بارجة بقدرة 100 ميغاواط ومحطة أرضية بقدرة 50 ميغاواط.

تأتي هذه الخطوة في وقت يعاني فيه السودان من أزمة كهرباء أثرت على حياة المواطنين والنشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية. لكن النقاش حول البارجة لا ينبغي أن يقتصر على قدرتها الإنتاجية، بل يجب أن يمتد إلى السؤال الأهم: لماذا تتكرر الحلول المؤقتة في قطاع يحتاج إلى بناء دائم؟

أوضحت الوزارة أن التعاقد تم عبر منافسة عالمية شاركت فيها خمس شركات، وأن سعر شراء الكهرباء يبلغ 4.95 سنت أمريكي لكل كيلوواط ساعة. لكن تفاصيل أساسية لم تُعرض أمام الرأي العام، من بينها القيمة الكاملة للعقد، مدته، شروط التشغيل والصيانة، والالتزامات المالية والفنية لكل طرف.

في مشاريع الطاقة، الشفافية ليست مسألة إجرائية فقط، بل هي جزء من حماية المال العام وضمان اختيار الخيار الأكثر فائدة للدولة والمواطن.

استخدام البارجة قد يكون مفهوماً كحل سريع في ظروف الطوارئ، لكن المشكلة تكمن في تكرار الاعتماد على هذا النوع من الحلول في قطاع يحتاج إلى رؤية تتجاوز معالجة النقص الآني.

اختيار البوارج لتغطية احتياجات كهرباء بورتسودان ليس مرتبطاً بالحرب الحالية أو أزمة العملة الأجنبية فقط. فقد سبق اللجوء إلى هذا الخيار في فترات كانت فيها الظروف الاقتصادية والسياسية مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أكبر: لماذا تستمر الدولة في العودة إلى الحلول المؤقتة بدلاً من الاستثمار في بنية تحتية دائمة؟

إذا كانت الدولة قادرة على توفير التزامات مالية بالدولار لتشغيل محطة مؤقتة، فلماذا لا تستخدم هذه القدرة في تمويل مشاريع إنتاج كهرباء مستقرة؟ ولماذا لا تتحول هذه الموارد إلى محطات طاقة شمسية، أنظمة تخزين، وتطوير لشبكات النقل والتوزيع؟

السودان يمتلك فرصاً كبيرة في مجال الطاقة الشمسية بسبب المساحات الواسعة ومستويات الإشعاع الشمسي المرتفعة. الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يحول الإنفاق من تكلفة تشغيلية متكررة إلى أصول وطنية تخدم البلاد لسنوات طويلة.

المقارنة هنا ليست فقط بين بارجة ومحطة شمسية، بل بين أسلوبين في إدارة الموارد.

الأسلوب الأول يعتمد على دفع أموال مستمرة للحصول على خدمة مؤقتة، بينما يقوم الأسلوب الثاني على بناء أصول وطنية تقلل الاعتماد على الحلول المستأجرة.

كما أن تكرار العقود المؤقتة في قطاعات حيوية يفرض أسئلة حول تكلفة هذه الخيارات، ودور الوسطاء، وأهمية نشر كل التفاصيل المالية والفنية المتعلقة بها. فالشفافية الكاملة هي الوسيلة التي تمنع الشكوك وتوضح أسباب اختيار مسار معين على حساب البدائل الأخرى.

الحرب تفرض على الحكومات اتخاذ قرارات عاجلة، لكنها لا تعني توقف التخطيط للمستقبل. المواطن يحتاج إلى الكهرباء اليوم، لكنه يحتاج أيضاً إلى دولة تبني حلولاً قادرة على الاستمرار بعد انتهاء الظروف الاستثنائية.

الكهرباء ليست خدمة منفصلة عن حياة الناس، فهي مرتبطة بالمستشفيات والتعليم والإنتاج والمياه والاقتصاد. لذلك فإن إدارة هذا الملف تحتاج إلى رؤية تتجاوز فكرة تجاوز الأزمة الحالية فقط.

السؤال ليس فقط هل ستنجح البارجة في إضافة ميغاواطات جديدة إلى الشبكة، بل هل تمثل جزءاً من استراتيجية وطنية للطاقة، أم أنها حل آخر يؤجل المشكلة إلى وقت لاحق؟

السودان يحتاج إلى حلول سريعة في أوقات الأزمات، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى قرارات تبني المستقبل ولا تجعل المؤقت بديلاً عن الدائم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!