رأي

هندسة الوفرة المائية: لإنقاذ كردفان ودارفور من فخ صيف الموارد 

نجوي بابو 

 

نجوي بابو 

لا يمكن قراءة المشهد المعقد في إقليمي كردفان ودارفور بمعزل عن التغيرات المناخية وهندسة الموارد، فالأزمة في غرب السودان لم تكن يوماً مجرد شح في الطبيعة، بل هي أزمة إدارة لتدفقات مياه الأمطار الغزيرة في الخريف، وعجز عن ترحيل هذه الوفرة المؤقتة لتغطية ثمانية أشهر من صيف الجفاف الحارق، ومن هذا المنطلق، يبرز مشروع حزام الستيرة المائي والإنتاجي ليس كبرنامج إغاثي عابر، بل كمشروع سيادي متكامل يفكك الأزمات المزمنة عبر أربعة أبعاد متداخلة تشمل الاقتصاد والمجتمع والسياسة والأمن.

تعتمد الركيزة الاقتصادية للمشروع على تحويل مياه الأمطار المحصودة عبر السدود الخرسانية والحفائر الذكية المبطنة بالبلاستيك العازل إلى وقود للمحركات الإنتاجية، حيث إن تأمين المياه طوال أشهر الصيف يضمن بقاء ونجاح المحاصيل النقدية مثل الصمغ العربي والفول السوداني والكركديه، مما يرفع إنتاجية الفدان بنسب تتجاوز الأربعين بالمئة، علاوة على ذلك فإن توفير البنية التحتية لسقيا الثروة الحيوانية يحمي القطعان من الهلاك ويمهد الطريق لبناء صناعات تحويلية قريبة من مراكز الإنتاج كالمسالخ الحديثة ومصانع تعليب اللحوم والألبان، وينقل هذا التحول الجذري اقتصاد المنطقة من الاعتماد المستنزِف على القروض والمساعدات الخارجية إلى منصة تصديرية ذات قيمة مضافة ترفد الخزينة الوطنية بالعملات الصعبة وتخلق أكثر من مئة ألف فرصة عمل مستدامة للشباب والنساء في الريف.

الشح المائي في الصيف يُعد المحرك الأساسي لعمليات الهجرة القسرية والنزوح الجماعي نحو المدن الكبرى، مما يخلق ضغطاً هائلاً على البنى التحتية الضعيفة ويفكك النسيج الاجتماعي للقرى والفرقان، وهنا يأتي البعد الاجتماعي للمشروع ليعيد هندسة الواقع الريفي عبر إدخال حلول تقنية صديقة للبيئة وسهلة الاستخدام مثل الدوانكي التي تعمل بالطاقة الشمسية وأنظمة الفلترة والتعقيم المنزلية المبسطة، وتوفير مياه نقية وباردة للشرب والاستخدام اليومي يحفظ كرامة المرأة الريفية التي كانت تقطع مسافات شاقة بحثاً عن الماء ويضمن استقرار الأسر في قراها، كما يحمي الأطفال من الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يخلق مجتمعات ريفية متماسكة وقادرة على العطاء والاستقرار.

تأسيس مجالس المياه والسلام المحلية يمثل صياغة لعقد اجتماعي وسياسي جديد على مستوى القواعد، حيث إن نقل صلاحية إدارة وتوزيع الموارد المائية وحقن الآبار الجوفية إلى لجان توافقية تضم المزارعين والرعاة والشباب والمرأة يرسخ مبادئ اللامركزية والحوكمة الرشيدة، وهذه المجالس المدعومة بقرارات تشريعية من سلطات الحكم المحلي تسحب البساط من تحت البيروقراطية المركزية العقيمة وتمنح الإدارة الأهلية من رجالات ونظار وعمد وشراطي دوراً سياسياً وتنفيذياً حقيقياً في فض النزاعات ودياً وبسط الشفافية المطلقة في إدارة الصناديق المالية المحلية المخصصة للصيانة، مما يعزز ثقة المواطن في مؤسساته المحلية وقدرتها على إدارة شؤونه بشكل مستقل

في غرب السودان، ترتبط الهشاشة الأمنية ارتباطاً وثيقاً بمسارات الموارد، فالصدامات التاريخية الدامية بين الرعاة الرحل والمزارعين المستقرين تنفجر غالباً في ذروة الصيف نتيجة التنافس على نقاط السقيا الشحيحة وتداخل المسارات مع المزارع، وتفكك هذه الاستراتيجية المائية الفتيل الأمني عبر مسارين حاسمين هما ترسيم وخرطنة مسارات رعوية واضحة ومستقلة عابرة للولايات وتزويد هذه المسارات بنقاط سقيا معزولة ومزارع أعلاف متكاملة تعمل بالطاقة الشمسية، وإن فصل مشارع سقيا الماشية عن أماكن الشرب البشرية وربطها بميثاق الشرف والسلام المجتمعي الذي يرفع الغطاء القبلي عن المخربين يضمن تصفير الاحتكاكات العشائرية بنسبة تصل إلى تسعين بالمئة، وبذلك يتحول الأمن من مفهوم عسكري يعتمد على الانتشار الشرطي إلى أمن وقائي مستدام تصنعه الوفرة المائية والعدالة في التوزيع.

يظهر جلياً أن الاستثمار الدولي والإقليمي في مشروع حزام الستيرة بتمويل من مؤسسات كبنك التنمية الأفريقي ليس ترفاً اقتصادياً بل هو ضرورة جيوسياسية وأمنية ملحة، إذ أثبتت تجارب العقود الماضية أن الاتفاقيات السياسية المكتوبة فوق الورق لا تحسم السلام ما لم تدعمها مزارع ومصانع وسدود وفرص عمل على أرض الواقع، وهندسة الوفرة المائية هي خارطة الطريق الوحيدة لتجفيف منابع الأزمات وتحويل كردفان ودارفور من حزام للهشاشة الأمنية إلى حزام الإنتاج والاستقرار المستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!