رأي

جيش البازنقر: الهزيمة في الميدان والخذلان في بناء الوطن

نجم الدين دريسة

لم يعد التوهان الذي يعيشه الجيش السوداني ضربًا من المبالغة أو الخطاب العاطفي، بل حقيقة ساطعة تؤكدها يوميًا تصرفات مؤسسة عسكرية مختطفة ومخترقة ومؤدلجة حتى النخاع. هذا الجيش، الذي انقلب على دوره الوطني، لم يعد حاميًا للبلاد، بل غدا أداة قمع وتدمير ممنهج للشعب السوداني، بكل أعراقه وأقاليمه، وصار التجاوز والانفلات هو سمتُه في السياسة والاقتصاد والأمن، بل وحتى في الحقوق الإنسانية التي لم يسلم منها أحد.

هذا الجيش هو الذراع العسكري القديم لحزب المؤتمر الوطني، ولم يكن إشعال حرب 15 أبريل إلا محاولة يائسة منه لاجتثاث قوات الدعم السريع، التي كانت من أوائل الكيانات العسكرية التي انحازت بوضوح إلى ثورة ديسمبر المجيدة. وعلى الرغم من كل الجدل حولها، فقد تحوّلت قوات الدعم السريع، في نظر الكثيرين، إلى حركة تحرر وطني، لا سيما أنها استمدت جذورها من مجتمعات تمتلك إرثًا قتاليًا طويلًا، استعان بها الإمام المهدي ذاته في كفاحه ضد الاستعمار البريطاني.

لقد دوّى صدى معركة كرري، يوم وقف الأنصار في وجه أعتى قوة عسكرية عرفها ذلك الزمان، فكتب تشرشل في مذكراته بإعجاب وذهول: “ما رأيت أشجع منهم، لم نهزمهم، بل حصدناهم بنيراننا”. وكان ضحايا تلك المجزرة من الجرحى وحدهم يتجاوزون الأربعين ألفًا، لتُسجل كرري كواحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الإنساني، لكنها ظلت طيّ النسيان في كتب التاريخ الرسمية، لأنها لا تخدم رواية المركز ولا جيشه.

بعدها، عاد المستعمر من بوابة العملاء والخونة، ممن تحالفوا معه ضد الدولة الوطنية، لينقل الحكم إلى صفوة لم تخض أي معركة في سبيل الوطن. جيش النخب الذي أسسه المستعمر، لم يكن أداة استقلال، بل كان امتدادًا للاستعمار نفسه، مُنح السلطة مكافأةً على خيانته، ليواصل بطشه بالشعوب المهمّشة، وينهب موارد الأقاليم من دارفور إلى الشرق، ومن كردفان إلى النيل الأزرق.

جيش البازنقر لم يعرف يومًا معنى العقيدة الوطنية، بل درج على قتل المواطنين وسرقة مقدراتهم، في حين ظل يقدّم فروض الولاء للأجنبي. رأيناه يتواطأ مع مصر التي ما فتئت تنهب مياه السودان وتحتل أراضيه في حلايب وشلاتين وأبورماد، ورأيناه يهرول نحو إيران وتركيا، تمامًا كما استنجد البشير بروسيا طالبًا الحماية من واشنطن.

إنه جيش “الكوراك” والبكائيات، لا يمتلك مشروعًا وطنيًا، ولا يملك أدوات النصر، لأنه ببساطة: خسر الحرب، ولن يستطيع كسب الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!