رأي

مضيق هرمز بين ورقة الضغط الجيوسياسي وتحولات الطاقة العالمية

دكتور دقاش حسب الله دقاش

 

 دكتور دقاش حسب الله دقاش

تمثل الممرات المائية الدولية الشرايين النابضة للاقتصاد العالمي، إذ يعبر عبرها أكثر من 80% من التجارة المنقولة بحرا، ونحو 60% من تجارة النفط والغاز. وإدراكا لهذه الأهمية البالغة، لم يترك المجتمع الدولي تنظيمها للارتجال، بل أخضعها لنسق قانوني متكامل يهدف إلى صون حرية الملاحة وضمان الاستخدام السلمي وحماية البيئة البحرية. ويشكل جوهر هذا النسق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي رسخت مبدأ “حق المرور العابر” في المضائق ذات الاستخدام الدولي كهرمز وباب المندب وملقا، بما يحظر على الدول الساحلية تعطيل حركة السفن والطائرات العابرة. وتعز هذا الإطار العام باتفاقيات إقليمية راسخة، من اتفاقية مونترو 1936 بشأن البوسفور والدردنيل، إلى معاهدة قناة بنما 1977، وصولا إلى اتفاقية قناة السويس 1888. بيد أن التطبيق العملي لهذه القواعد يصطدم اليوم بوقائع جيوسياسية معقدة، جعلت من المضائق نقاط اختناق قابلة للتوظيف كأدوات ضغط، وربطت أمنها ارتباطا عضويا بأمن الطاقة واستقرار الأسواق المالية العالمية.

وفي قلب هذا المشهد يبرز مضيق هرمز نموذجا صارخا لهذا التقاطع. فهو لم يعد مجرد ممر مائي ضيق بعرض 33 كيلومترا يفصل بين إيران وعمان، بل تحول إلى مقياس حيوي لعافية الاقتصاد العالمي، وإلى ورقة مساومة سياسية، وإلى اختبار حقي لقدرة النظام الدولي على إدارة أزمات الطاقة في القرن الحادي والعشرين. ويستمد المضيق خطورته من أرقام لا تحتمل التأويل. فهو يمرر يوميا ما بين 18 و 21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات، أي ما يعادل خُمس إلى ثلث التجارة البحرية للنفط في العالم. كما تعبره 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ومعظمها من قطر أكبر مصدر لهذا الوقود. وتزداد الهشاشة بفعل غياب البدائل الفاعلة، إذ لا تغطي الأنابيب المتاحة كخط بترولاين السعودي وخط الفجيرة الإماراتي سوى أقل من ثلث الكميات العابرة. وعلى صعيد الطلب، تعتمد الصين على الخليج في 44% من وارداتها النفطية، والهند في 60%، بينما تتجاوز النسبة 80% في اليابان وكوريا الجنوبية، ما يجعل أي اضطراب في المضيق صدمة عرض عالمية فورية لا أزمة إقليمية محدودة.

وتنبع الأزمة المزمنة لهرمز من تشابك أربعة مستويات. على المستوى الجيوسياسي، يتجلى الصراع الإيراني الأمريكي والعقوبات المفروضة على طهران، حيث توظف إيران تهديد إغلاق المضيق كأداة ردع، فيما تتذرع واشنطن وحلفاؤها بحرية الملاحة لتبرير الحضور العسكري. وعلى المستوى الأمني، شهدت السنوات الأخيرة هجمات على ناقلات واحتجاز سفن واستخدام طائرات مسيرة، ما رفع كلفة التأمين البحري إلى عشرة أضعاف وأضاف ما بين دولارين وخمسة دولارات إلى سعر البرميل الواحد. وعلى المستوى الإقليمي، تنعكس تداعيات حرب اليمن والتوتر الإسرائيلي الإيراني وأي تصعيد في غزة أو لبنان مباشرة على أمن الملاحة وصولا إلى هرمز. وعلى المستوى الاقتصادي، يسعى البعض إلى تحويل النفط إلى سلاح للضغط ورفع الأسعار وتعطيل صادرات المنافسين.

بالتوازي مع ذلك، يشهد العالم أكبر تحول في مزيج الطاقة منذ الثورة الصناعية، وهو تحول يرسم ملامح مستقبل المضيق. يتجلى المسار الأول في صعود الغاز والهيدروجين بوصفهما وقود المرحلة الانتقالية حتى عام 2040، مع بقاء قطر اللاعب الأكبر في سوق الغاز المسال، وتزايد أهمية هرمز للغاز بنسبة 15% حتى عام 2035. كما تبرز مشروعات الهيدروجين الأخضر في السعودية وعمان والإمارات، بطاقة مستهدفة تبلغ 8 ملايين طن سنويا بحلول 2030، والمصدرة عبر موانئ بحر العرب تفاديا للمضيق. ويتمثل المسار الثاني في ثورة النفط الصخري والطاقة المتجددة، حيث تحولت الولايات المتحدة إلى مصدر صاف بإنتاج يتجاوز 13 مليون برميل يوميا، بينما تضخ الصين والهند والاتحاد الأوروبي 2.8 تريليون دولار في الشمس والرياح والبطاريات. ومع استهداف الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول 2050، يتوقع أن يبلغ الطلب العالمي على النفط ذروته بين 2028 و 2035 ثم يتراجع تدريجيا بنسبة 1% إلى 2% سنويا، مما يخفف الاعتماد على هرمز على المدى البعيد. أما المسار الثالث فهو تنويع المسارات، إذ تسعى دول الخليج إلى خفض اعتمادها على المضيق بنسبة 40% بحلول 2030 عبر بناء مصاف وموانئ على البحر الأحمر وبحر العرب، وتطوير ميناء الدقم العماني والتوسع في الفجيرة.

وبناء على ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لأي أزمة في هرمز. السيناريو الأول هو توترات منخفضة باحتمال 70%، تتمثل في مضايقات واحتجاز سفن وتصريحات تصعيدية، ويرتفع معها النفط مؤقتا بمقدار 5 إلى 15 دولارا قبل أن تمتص الأسواق الصدمة خلال أسبوعين. والسيناريو الثاني هو تعطيل جزئي باحتمال 20% ولمدة أسبوعين أو أكثر، يؤدي إلى توقف 30% من الحركة وقفز الأسعار إلى ما بين 120 و 140 دولارا، وارتفاع التضخم العالمي بنسبة 1.5%، ودخول اقتصادات هشة مثل مصر وباكستان وتركيا في دوامة عملة وديون. أما السيناريو الثالث وهو الإغلاق الكامل باحتمال أقل من 10%، فيعني أسعارا تتجاوز 200 دولار وركودا عالميا فوريا وتدخلا عسكريا دوليا، وهو في الوقت نفسه انتحار اقتصادي لإيران التي تصدر 90% من نفطها عبر المضيق نفسه.

وفي حال التصعيد، سيكون الخاسر الأكبر المستوردين الكبار كالصين والهند واليابان والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الاقتصادات الهشة التي تستورد النفط والغذاء معا. وستتكبد إيران خسائر فادحة رغم كونها مصدر التوتر. في المقابل، سيستفيد المنتجون خارج الخليج كالولايات المتحدة وكندا والبرازيل، وستتسارع الاستثمارات في الطاقة المتجددة بنسبة تتراوح بين 10% و 15% مع كل أزمة، كما ستجني الدول ذات الأنابيب البديلة كالسعودية والإمارات مكاسب نسبية.

و إن مضيق هرمز لا يزال في عام 2026 أخطر نقطة في خريطة الطاقة العالمية، لكن فاعليته كسلاح بدأت تتآكل. ويعود ذلك إلى توفر البدائل من أنابيب وطاقة متجددة ومنتجين جدد، وإلى منطق الردع المتبادل الذي يجعل الإغلاق ضارا بالجميع، وإلى عامل الزمن الذي يقلص حصة النفط في مزيج الطاقة العالمي سنويا. وعليه، فإن الرهان الاستراتيجي يقع على بناء مرونة الطاقة عبر تنويع مصادر الاستيراد وتكوين مخزونات استراتيجية تغطي 90 يوما وتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة وترسيخ دبلوماسية طاقة تحول دون تحويل المضيق إلى ساحة حرب. فأزمة هرمز ليست أزمة مضيق في جوهرها، بل أزمة ثقة في استقرار إمدادات الطاقة. وحتى يكتمل التحول العالمي نحو مصادر أنظف، سيظل هذا الشريط المائي الصغير قادرا على هز اقتصاد العالم بأكمله.

 

المصادر والمراجع

1. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982

2. اتفاقية مونترو بشأن نظام مضيقي البوسفور والدردنيل 1936

3. معاهدة حياد قناة بنما وتشغيلها 1977

4. اتفاقية القسطنطينية الخاصة بقناة السويس 1888

5. المنظمة البحرية الدولية IMO، تقارير السلامة وأمن الملاحة في المضائق الدولية 2024

6. وكالة الطاقة الدولية IEA، تقرير سوق النفط والغاز وتوقعات الطاقة العالمية 2025م – 2026م

7. إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA، تحليل نقاط الاختناق النفطية: مضيق هرمز 2025

8. منظمة الدول المصدرة للبترول OPEC، التقرير الإحصائي السنوي 2025

9. صندوق النقد الدولي IMF، تقرير آفاق الاقتصاد العالمي: أثر صدمات الطاقة 2025

10. الوكالة الدولية للطاقة المتجددة IRENA، تقرير تحولات الطاقة العالمية حتى 2050

11. مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية KAPSARC، دراسات حول بدائل مضيق هرمز 2024

12. المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، تقرير الأمن البحري في الخليج 2025

13. الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، تقارير البنية التحتية للطاقة 2024م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!