رأي

المواجهة بين حكومة السودان وأثيوبيا “مصيدة مصرية”.

دكتور الفاضل سنهوري

 

دكتور الفاضل سنهوري 

محاولة حكومة سلطة بورتسودان بقيادة عبدالفتاح البرهان قرع طبول المواجهة مع إثيوبيا في هذا الوقت هو هروب الي الأمام من الإعتراف بالهزيمة في الحرب الأخيرة التي أشعلتها بعد إنقلاب عبدالفتاح البرهان علي ثورة ديسمبر. حكومة بورتسودان تري أن التصعيد مع أثيوبيا يمثل لها فرصة ذهبية وشماعة للبحث عن عدو خارجي وإلقاء اللوم علي دول أخري في سبيل تبرير إستمرار الحرب.

حكومة بورتسودان تستفيد من هذا التصعيد لتخفيف الضغط المتزايد عليها بوقف الحرب والتوقيع علي هدنة إنسانية وإيصال المساعدات وايقاف الحرب بشكل كامل وتسليم المطلوبين والتوجه نحو التحول المدني الديمقراطي. السير في اتجاه التصعيد مع الجاره أثيوبيا وهو إرتهان كامل لأجندة وقرارات ومصالح الحكومة المصرية المتورطة في حرب السودان علي حساب إستقرار البلد وإنهاء معاناة السودانيين المتزايدة كل يوم.

النظام المصري صنع مصيدة كبيرة وقع فيها البرهان وزمرته وهي مصيدة تخدم مصر وتصعيدها مع اثيوبيا في خلالها حول سد النهضة لذلك تلعب اليوم دور العقل المدبر لرفع وتيرة إستعداد السودان لاثيوبيا لتحقيق أهداف مصر وبالمقابل يستفيد البرهان ومجموعه من إلغاء السودانيين وصرف نظرهم عن الموضوع الأساسي وهو إيقاف الحرب وتحقيق السلام وتحول حقيقي في نظام الحكم لن يجد فيه البرهان والحركة الاسلامية وبقايا النظام البائد فرصة للعودة الي السلطة.

الحقيقة إن أثيوبيا لم تكن في يوم من الأيام عدو للشعب السوداني والسودان لا يتضرر مطلقا من تشيد سد النهضة حتي يدخل السودان في حرب مفتوحة مع أثيوبيا.

ومصر هي المستفيد الأول من هذا التصعيد بين السودان وأثيوبيا، وتهدف الي أن يرتفع الي أقصي مستواه، وتمارس في ذات الوقت مزيد من الابتزاز علي حكومة البرهان للقيام بخطوات تصعيدية أكثر.

خصوصا وانها تحتفظ بأوراق وكروت ضغط كثير علي عبدالفتاح البرهان وقيادة الجيش الإخواني لقوفها معها في الحرب ضد قوات الدعم السريع التي هي نفسها ضالعة ومشاركة فيها لخدمة أجندة مصرية ومصالح مازالت مستمرة لطالما الحرب مستمرة.

حكومة سلطة بورتسودان ظلت تتخبط في علاقاتها الخارجية منذ الأنقلاب المشؤوم في 2021 ، وهمها الاول من علاقاتها الخارجية هو ألحصول علي حلفاء وأصدقاء يمدونها بالسلاح والعتاد لمواصلة الحرب، وذلك يتم دون وعي وتخطيط إستراتيجي يفتقر للحكمة وإعلاء مصالح السودان.

مصر جزء من الرباعية الدولية وغالبية المبادرات لوقف الحرب في السودان، بل أنها قدمت مبادرة خاصة بها، لكن في ذات الوقت تعمل علي إفشاء كل الجهود الدولية والإقليمية لوقف الحرب في السودان عبر تكرار إطلاق المبادرات وتقديم نفسها بانها الأكثر خبرة ودراية بطبيعة الأزمة السياسية والأقتصادية السودانية وهذا كذب وأفتراء.

وللعلم ركزت المبادرة المصرية الأولي التي اطلقتها في العام (13 يوليو 2023) بعد (3) أشهر من الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع لإيقاف الحرب كانت تركز على التوصل الي هدنة الي (3) شهر ولم تتحدث مطلقا عن هدنة طويلة الأمد، ووقف شامل لإطلاق النار، او إطلاق عملية سياسية شاملة، ثم عادت من بعد ذلك للحديث عن سلام وهدنة تتم عبر قمة دول جوار السودان وآليات دولية.

لكنها إستثنت جزء من دول الجوار السوداني نفسها من الإشتراك في مبادرتها تلك ومن بينها أثيوبيا وتشاد في قمة دول جوار السودان (يوليو 2023) التي استضافتها القاهرة، ورفضت بدء اجتناع تشاوري علي مستوى وزراء الخارجية كان مقررا له ان يعقد بالعاصمة انجمينا حسب مقررات قمة القاهرة لدول الجور التي دعت اليها.

ولتعود من جديد لتوفير حاضنة سياسية لحكومة الجيش تحت غطاء تأمين المناخ الملائم للحل ولحوار شامل بين الفرقاء السودانيين. وإستضافت مؤتمرا للقوى السياسية الموالية للجيش في (مايو 2024)، وقبل ذلك دعت السعودية الي اطلاق عملية تفاوض لتوقيع اتفاق بين الجيش وقوات الدعم السريع في مايو 2024 الذي عرف لاحقا باتفاق جدا.

ولم تنتظر طويلا جهودها هذة لتبداء في الاشتراك مع الرباعية، وتطلق مباحثات أخري وأعلنت عن مشارك مصر مع دولة جنوب السودان واريتريا في جهود مشتركة لحث الأطراف السودانية على الركون للحل السلمي في مارس (2025).

والذي يتضح أن مصر بعد هذة المبادرات المفخخة وتصريح وزير الخارجية المصري الشهر الماضي أبريل 2026 عن ان دولتي السودان ومصر هما دولة مصب أن مصر تخطط لوضع السودان في مصيدة مصالحها في حرب المياة مع أثيوبيا، علما بان التوصيف الجغرافي للسودان ليس دولة مصب بل هو دولة منبع لمياة النيل. وأن مصر تسعى من خلال هذه المبادرات المفخخة إلى حماية أمنها القومي اولا وليس ايقاف الحرب وضمان وحدة السودان وسلامته الإقليمية كما ظلت تكرر في كل مرة.

الحقيقة الماثلة هي إن مصر لم تكن، ولن تكون يوما جزءا من حل الأزمة السودانية الحالية، ولا تبحث عن الخير للسودانيين والسودان، بل تتخذ من الحرب الدائرة في السودان مطية لاستمرار إحتلال حبايب وشغالين والتدخل في الشؤون الداخلية، ونهب الثروات والحصول علي المواد الخام باسعار زهيدة من المحاصيل الزراعية والصمغ العربي والحديد والنحاس والذهب المهرب عبر الحدود السودانية المصرية.

وبالمقابل تقدم السلاح والزخائر والدعم اللوجيتسي للجيش لمواصلة القتال، وتقدم تنازلات وإعفاءات جمركية للشركات والمصانع المصرية وتسهيلات مالية لتصدر عشرات الاطمان من المواد الغذائية والسلع للأسواق السودانية، لإنعاش إقتصادها الراكد الذي يتعرض لصدمات كبيرة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وتغير مزاج الدول العربية الخليجية نحو مصر.

د. الفاضل سنهوري

الأربعاء 6 مايو 2026.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!