تقارير وتحقيقات

الغطرسة المصرية وقرصنة الموارد: سقوط السيادة وارتهان سلطة بورتسودان الكامل للمصالح الخارجية

التنوير تقرير القسم السياسي 

 

التنوير تقرير القسم السياسي 

تفكيك السيادة الوطنية وارتهان سلطة بورتسودان الكامل للإرادة المصرية

تشهد الساحة السياسية والاقتصادية في السودان فصلاً غاية في الخطورة والتعقيد من فصول التبعية المطلقة وغياب الإرادة الوطنية المستقلة، حيث تكشفت بوضوح فاضح معالم التوجه الاستراتيجي المشترك بين السلطة العسكرية القائمة في بورتسودان والحكومة المصرية. هذا التحول اللوجستي الكبير الذي يسعى بكل قوة لإعادة رسم الخريطة التجارية نحو بوابة الشرق وميناء بورتسودان وتسييل حركة الصادرات والواردات بالكامل عبر البحر الأحمر، لا يمكن قراءته بأي حال من الأحوال بمعزل عن الرضوخ الكامل للإملاءات الخارجية المهينة. إن تسارع الخطى الحثيثة لتنفيذ هذا المخطط الاقتصادي المريب قبل العشرين من أغسطس من عام ألفين وستة وعشرين يبرهن قطيعة أن سلطة بورتسودان لم تعد تملك من أمر سيادتها الوطنية شيئاً، بل تحولت بالكامل إلى أداة تنفيذية طيعة لتجنيب الاقتصاد المصري فخ الشروط الجزائية والغرامات المليارية الخانقة التي فرضتها الشركات العالمية الأوروبية والأمريكية. إن هذا الارتهان الفاضح للقرار السيادي يوضح للعيان كيف يتم تسخير المقدرات السودانية والموانئ الاستراتيجية لإنقاذ الخزانة المصرية من التزاماتها الدولية، في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية والأمنية على مر التاريخ الحديث، دون أدنى مراعاة لمصلحة المواطن المغلوب على أمره.

الاستغلال البشع ومقدرات السودان كحديقة خلفية للمصالح المصرية

لم يعد خافياً على أي مراقب للشأن الإقليمي أن التوجهات الجيوسياسية للقاهرة تتعامل مع الدولة السودانية كحديقة خلفية ومخزن مجاني مفتوح للمواد الخام والموارد الثروية الهائلة التي تُنهب ويسال لعاب القوى الخارجية عليها دون وجه حق أو رادع قانوني وأخلاقي. هذا الاستغلال البشع والممنهج لم يكن وليد الظروف الراهنة أو نتاج الصدفة السياسية، بل هو نتاج سياسة استعمارية قديمة ومتجددة قائمة على سبق الإصرار والترصد، تهدف بالأساس إلى امتصاص المقدرات السودانية وحرمان أهل الأرض منها بأبخس الأثمان لتغذية الشراكات الاستثمارية والتعاقدات المصرية مع الغرب. في الوقت الذي يعاني فيه المواطن السوداني من انعدام أبسط مقومات الحياة الأساسية من غذاء ودواء وأمان، وتطحن الأزمات المعيشية المتلاحقة شعوب السودان كافة، تنساب قوافل الثروات الحيوانية والزراعية والمعادن النفيسة نحو الشمال لتعزيز الاقتصاد المصري المتهاوي وتثبيت أركانه. إن هذا المشهد البائس يعيد إلى الأذهان المأساة التاريخية حيث صار السودان كالعيس يقتلها الظمأ في البيداء والماء فوق ظهورها محمول؛ فشعب يملك كل مقومات الرفاه الاقتصادي يعيش تحت خط الفقر، بينما تُشحن موارده علناً لتأمين رفاهية واستقرار أسواق دولة أخرى.

جيش يحرس مصالح القاهرة على حساب دمار الشعوب السودانية

إن الدور المشبوه الذي تلعبه القيادة العسكرية الحالية في بورتسودان يتجاوز حدود الفشل الإداري والعجز السياسي ليصل إلى مرحلة التواطؤ الصريح والخيانة المكتملة ضد مصالح الشعب السوداني؛ إذ بات الجيش السوداني، في ظل سلطة الأمر الواقع، يعمل كمحور رابع تابع لحراسة المصالح المصرية وتأمين خطوط إمدادها الاستراتيجية. بدلاً من أن تتوجه جهود وعقيدة المؤسسة العسكرية لحماية المواطنين وصون حدود البلاد وثرواتها من النهب والسرقة، تكفلت هذه القيادة بقمع أي حراك شعبي أو مطلبي يسعى لوقف نزيف الموارد والكرامة. إن التضحية الكبرى بالاقتصاد القومي وتسهيل السيطرة المصرية المطلقة على مفاصل التجارة الخارجية عبر موانئ بورتسودان وسواكن، يعكسان مقايضة رخيصة تهدف إلى كسب شرعية سياسية ودعم إقليمي ودبلوماسي للسلطة العسكرية على حساب دمار البنية التحتية، وتجويع الملايين من المواطنين الأبرياء، واستمرار نزيف الدم السوداني في حرب عبثية لا تبقي ولا تذر، ولا تخدم سوى أجندات الدول الطامعة في مقدرات هذا الوطن الجريح.

بروفيسور النور حمد يفكك أبعاد الهيمنة السياسية والاقتصادية

وفي سياق هذه الأزمة البنيوية، وفي قراءة تحليلية صارمة وشجاعة للأوضاع الراهنة، يضع المفكر والكاتب السياسي البارز، البروفيسور النور حمد، النقاط على الحروف فيما يتعلق بطبيعة وحقيقة العلاقات الثنائية غير المتكافئة. حيث يؤكد البروفيسور بشكل قاطع أن الهيمنة المصرية على السودان ليست مجرد تداخل طبيعي وجوار جغرافي بين دولتين جارتين، بل هي هيمنة مركبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية بالاقتصادية والأمنية بشكل استعماري حديث فج. ويتساءل البروفيسور النور أحمد بمرارة مستنكراً في أطروحاته: كيف تمنح الدولة الجارة لنفسها الحق المطلق في التعاقد مع شركات أجنبية كبرى في أوروبا وأمريكا ودول الخليج مستندةً بشكل أساسي وحصري على الموارد والثروات السودانية الخام؟ إن هذا السلوك السياسي يمثل قمة الاستخفاف بالسيادة والغطرسة، حيث تُباع وتُرهن ثروات السودان في المحافل الدولية بواسطة وسيط خارجي يجني الأرباح والنفوذ، بينما يُحرم أصحاب الأرض الحقيقيون من حق التفاوض المباشر وتصدير مواردهم لصالح خزينتهم الوطنية المنهكة.

قرصنة مكتملة الأركان للالتفاف على حقوق الاقتصاد القومي

ويواصل البروفيسور النور حمد توصيفه الدقيق والعميق للممارسات التجارية والسياسية المصرية في السودان، واصفاً إياها بلا مواربة بأنها “قرصنة مكتملة الأركان” ترعاها بكل أسف وتسهلها سلطة بورتسودان الفاقدة للشرعية الشعبية والقانونية. إن قيام القاهرة بضم الخام السوداني إلى سلتها التصديرية والتعاطي معه كملك صرف لها دون دفع مقابل عادل أو المساهمة في تنمية المجتمعات المحلية، يمثل عملية نهب منظم وتدمير متعمد للمستقبل الاقتصادي للبلاد. هذه القرصنة اللوجستية التي تجري اليوم خلف الكواليس عبر تفريغ شريان الشمال والتحول نحو الموانئ الشرقية لتفادي الاحتجاجات الشعبية، تعكس رغبة مصرية عارمة في احتكار القرار الاقتصادي السوداني وإبقاء البلاد في حالة تبعية دائمة، ومنعها من بناء أي منظومة تصديرية مستقلة تمكنها من الخروج من نفق الاستدانة والأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي عصفت بمعيشة المواطن البسيط.

من ترس الشمال إلى الترس الشامل ضد الغطرسة

أمام هذا الواقع المأساوي والقرصنة العلنية للمقدرات الوطنية، لم يعد كافياً على الإطلاق الانكفاء وراء الاحتجاجات الإقليمية والمناطقية الضيقة. إن ما أحدثه حراك “ترس السودان” في المعابر الشمالية من إرباك للمخططات التوسعية المصرية كان نموذجاً ملهماً وقوياً، لكن حصر المواجهة في إقليم جغرافي واحد سمح للسلطة الحاكمة وحلفائها في القاهرة بالالتفاف عليه وتغيير ساحة المعركة نحو الشرق. لذلك، يطرح المفكرون والقوى الوطنية الحية ضرورة حتمية تقضي بأن يتحول السودان بأكمله، من أقصى شماله إلى شرقه وغربه وجنوبه، إلى “ترس قومي شامل” في وجه الغطرسة المصرية المتمددة. إن مواجهة استنزاف الموارد تتطلب اليوم اصطفافاً شعبياً عريضاً يتجاوز القبلية والجهوية، ليقف كالسد المنيع أمام أي محاولة لتصدير ثروات البلاد عبر أي ميناء أو معبر دون وجود حكومة وطنية شرعية تضمن حقوق الشعب أولاً وتوقف هذه المهازل اللوجستية.

سقوط ورقة التوازنات القبلية وانكشاف عورة الخطاب الرسمي

لقد كشفت أزمة إغلاق الطرق البرية عورة الخطاب الرسمي للسلطة العسكرية وتناقضاته الصارخة؛ فبينما كانت ترفع شعارات فرض هيبة القانون لحسم الحركات المطلبية والسياسية في مناطق معينة بالقوة المفرطة، عجزت تماماً عن استخدام القوة في الشمال خوفاً من تفكك حاضنتها الاجتماعية والسياسية القائمة على التوازنات القبلية الحساسة. هذا العجز لم يكن احتراماً لحقوق المواطنين أو رغبة في السلم الأهلي، بل كان حساباً سياسياً انتهازياً ضيقاً لحماية النواة الصلبة للنظام العسكري الحاكم. وعندما ضاقت الخيارات واشتد الخناق الاقتصادي على الحليف المصري، كان الحل اللجوء إلى الشرق وتغيير المسار اللوجستي للتجارة كآلية هرب بديلة، مما يؤكد أن السلطة مستعدة لبيع مقدرات الشرق وتغيير الجغرافيا الاقتصادية للبلاد بأكملها لمجرد حماية عروشها وتأمين مصالح حليفها الإقليمي في القاهرة دون أي وازع وطنـي.

تكاتف شعوب السودان لانتزاع القرار الاقتصادي المصادر

إن التحدي الحقيقي والمصيري الذي يواجه شعوب السودان اليوم هو استعادة السيطرة الكاملة على القرار الاقتصادي المصادر من قبل عسكر بورتسودان والنظام المصري المستغل. إن النداءات الحالية تتطلب من أهل شرق السودان الشرفاء، والذين تُستغل موانئهم اليوم كممر بديل للقرصنة والالتفاف على حقوق الشعب، أن يكونوا على قدر المسؤولية التاريخية الجسيمة وألا يسمحوا مطلقاً بأن تُستغل أرضهم لكسر إرادة إخوتهم في الشمال أو بقية الأقاليم. إن التكاتف والوقوف بصلابة ضد خروج أي خامات أو موارد دون تصنيع محلي أو عائد حقيقي للبلاد هو الخطوة الأولى نحو إسقاط سياسة التبعية المخزية. يجب أن تدرك القوى الحية والشباب الثائر أن المعركة ليست معركة طريق بري أو ميناء بحري، بل هي معركة وجودية لانتزاع السيادة الوطنية الكاملة غير المنقوصة وتأسيس سلطة مدنية تعبر عن تطلعات المواطن

نهاية عهد التبعية وولادة السودان الجديد المستقل

إن هذه الأزمة الخانقة والتحولات اللوجستية القسرية التي تقودها القاهرة وسلطة بورتسودان لإنقاذ مصالحهما المشتركة، يجب أن تكون نقطة الانطلاق لتأسيس مرحلة جديدة كلياً في تاريخ السودان. إن عهد التعامل مع السودان كحديقة خلفية يستنزفها الطامعون وكبار الموظفين والجنرالات المرتهنون للخارج قد شارف على نهايته بفضل الوعي المتنامي والشجاع للشعوب السودانية. إن الانتفاضة الشعبية الشاملة ضد حكم العسكر الفاسد وضد التغلغل والغطرسة المصرية هي السبيل الوحيد والمسار الإجباري لبناء دولة مؤسسات حقيقية؛ دولة تمتلك قرارها وتوقع اتفاقياتها الدولية بنفسها ولصالح شعبها، وتضع حداً نهائياً لزمن القرصنة والتبعية، لتخرج البلاد من وهدة الجوع والدمار والفقر إلى آفاق الحرية والعدالة والسيادة الوطنية المطلقة التي تليق بتضحيات هذا الشعب العظيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!