شراكة أمريكية ـ إثيوبية تعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي وتضع السودان أمام أخطر لحظة تراجع استراتيجي
التنوير تقرير الخبير الامني د.مجدي شريف

التنوير تقرير الخبير الامني د.مجدي شريف
واشنطن تعود إلى أديس أبابا
في تحول سياسي واستراتيجي بالغ الأهمية، بدأت الولايات المتحدة وإثيوبيا مرحلة جديدة من إعادة بناء العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر الحاد الذي أعقب حرب تيغراي، وذلك عبر توقيع “إطار الحوار الثنائي المنظم” بين البلدين، في خطوة تعكس تغيراً عميقاً في الحسابات الأمريكية داخل القرن الإفريقي، المنطقة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر ساحات التنافس الدولي حساسية وتعقيداً.
الاتفاق الذي جرى توقيعه في واشنطن بحضور وفود سياسية وأمنية واقتصادية رفيعة من البلدين، لا يبدو مجرد تفاهم دبلوماسي تقليدي، بل يمثل مؤشراً واضحاً على أن واشنطن قررت إعادة تموضعها الإقليمي عبر الرهان على إثيوبيا باعتبارها شريكاً محورياً في ملفات الأمن الإقليمي والبحر الأحمر ومكافحة الإرهاب والتوازنات الجيوسياسية الجديدة.
اتفاق يتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والاستراتيجية
وقع الاتفاق عن الجانب الإثيوبي وزير الخارجية جدعون تيموثيوس، بينما مثل الجانب الأمريكي أليسون هوكر، المسؤولة البارزة بوزارة الخارجية الأمريكية والمتخصصة في ملفات إفريقيا، فيما شارك في الاجتماعات مسؤولون من وزارة الدفاع الأمريكية والقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، إلى جانب ممثلين عن وزارتي الدفاع والمالية الإثيوبيتين.
هذا الحضور العسكري والأمني الكثيف كشف بوضوح أن الاتفاق لا يقتصر على التعاون الاقتصادي، بل يؤسس لشراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل التنسيق السياسي والأمني والعسكري، إلى جانب الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة.
وتبدو واشنطن اليوم أكثر اقتناعاً بأن إثيوبيا تمثل حجر الزاوية في أي ترتيبات مستقبلية تخص شرق إفريقيا والبحر الأحمر، خاصة في ظل تصاعد التوترات الدولية واحتدام الصراع على النفوذ داخل القارة الإفريقية.
عودة التنسيق العسكري بعد قطيعة تيغراي
الملف الدفاعي كان الأكثر حضوراً في الاتفاق الجديد، إذ يمثل استئنافاً فعلياً للتعاون العسكري المباشر بين واشنطن وأديس أبابا بعد مرحلة من التوتر والعقوبات المرتبطة بحرب تيغراي.
وكانت زيارة قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا الجنرال داغفين أندرسون إلى أديس أبابا في نوفمبر الماضي بمثابة التمهيد العملي لهذا التحول، حيث عقد لقاءات موسعة مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وقيادات عسكرية إثيوبية ناقشت توسيع التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتعزيز قدرات مكافحة الإرهاب وحماية أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
وتسعى الولايات المتحدة، من خلال هذا التقارب، إلى بناء شريك عسكري قادر على لعب دور إقليمي متقدم في منطقة تواجه اضطرابات متزايدة تشمل الحرب السودانية، والأزمة الصومالية، والهجمات الحوثية في البحر الأحمر، إلى جانب التمدد الصيني والروسي المتصاعد داخل إفريقيا.
إثيوبيا… الدولة التي يصعب تجاوزها
رغم الأزمات الداخلية التي تعيشها إثيوبيا، إلا أنها ما تزال تمثل رقماً صعباً في معادلات القرن الإفريقي. فالدولة التي يتجاوز عدد سكانها 126 مليون نسمة تمتلك واحداً من أكبر الجيوش الإفريقية، مع ميزانية دفاع تتجاوز ملياري دولار سنوياً وفق تقديرات غير رسمية.
كما أن استضافة أديس أبابا لمقر الاتحاد الإفريقي يمنحها وزناً دبلوماسياً وسياسياً يجعلها لاعباً مركزياً في التوازنات القارية.
ومن هنا تبدو واشنطن مقتنعة بأن الحفاظ على شراكة قوية مع إثيوبيا أكثر أهمية من الاستمرار في سياسة الضغوط والعقوبات التي لم تؤدِ إلى إضعاف نفوذ آبي أحمد بقدر ما دفعت أديس أبابا نحو توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا وتركيا.
وتدرك الولايات المتحدة كذلك أن الصين أصبحت اللاعب الاقتصادي الأكبر داخل إثيوبيا، عبر استثمارات ضخمة في السكك الحديدية والبنية التحتية والطاقة والاتصالات، فضلاً عن الوجود العسكري الصيني في جيبوتي المجاورة، وهو ما يفسر جانباً كبيراً من الاندفاع الأمريكي الحالي لاستعادة النفوذ داخل المنطقة.
البحر الأحمر… قلب الصراع القادم
واحدة من أهم زوايا الاتفاق الأمريكي الإثيوبي تتعلق بالبحر الأحمر والممرات البحرية الدولية.
فإثيوبيا التي فقدت منفذها البحري بعد انفصال إريتريا عام 1993 لم تتخلَ يوماً عن حلم العودة إلى البحر، بل تحوّل هذا الطموح تدريجياً إلى جزء أساسي من العقيدة الجيوسياسية الإثيوبية الجديدة.
ولهذا جاء الاتفاق الإثيوبي مع “صومال لاند” بشأن استخدام ميناء بربرة ليكشف حجم التحول في التفكير الاستراتيجي الإثيوبي، إذ لم تعد أديس أبابا تنظر إلى الموانئ باعتبارها مجرد منافذ تجارية، بل أدوات نفوذ وسيطرة إقليمية.
وفي المقابل ترى واشنطن أن إثيوبيا يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تأمين البحر الأحمر وموازنة النفوذ الصيني قرب جيبوتي وباب المندب، خاصة مع تصاعد التهديدات الأمنية المرتبطة بالملاحة الدولية.
اقتصاد ضخم وسوق إفريقية واعدة
اقتصادياً، ركز الاتفاق على دعم الإصلاحات الاقتصادية الإثيوبية وتشجيع الاستثمارات الأمريكية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والطيران والتكنولوجيا.
وتولي واشنطن اهتماماً متزايداً بمشروعات استراتيجية مثل مشروع مطار “بشفتو” الدولي الذي تطمح إثيوبيا لتحويله إلى مركز إقليمي ضخم للنقل الجوي والتجارة.
ويبلغ حجم الاقتصاد الإثيوبي نحو 205 مليارات دولار بالقوة الشرائية وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، بينما حافظ الاقتصاد الإثيوبي على معدل نمو يقارب 6% رغم تداعيات الحرب والأزمات الداخلية، ما يجعل إثيوبيا واحدة من أكثر الأسواق الإفريقية جذباً للقوى الدولية.
السودان… من مركز ثقل إلى ساحة انهيار
في المقابل، يبدو السودان الخاسر الأكبر من التحولات الجارية في الإقليم.
فبينما تتحرك إثيوبيا نحو تحديث جيشها وبناء شراكات استراتيجية مع واشنطن، يغرق السودان في حرب داخلية مدمرة أدت إلى انهيار واسع للبنية التحتية وتفكك مؤسسات الدولة وتراجع القدرات الاقتصادية والعسكرية بصورة غير مسبوقة.
كما أن تدهور المشاريع الوطنية الكبرى مثل مشروع الجزيرة وانهيار شركات وطنية تاريخية كسودانير وسودانلاين يعكس حجم التراجع الذي أصاب الدولة السودانية خلال العقود الأخيرة.
ويرى مراقبون أن الأزمة السودانية الحالية ليست مجرد نتيجة للحرب الأخيرة، بل امتداد طويل لسياسات حكم الحركة الإسلامية التي أعادت تشكيل الدولة وفق منطق أيديولوجي وأمني، على حساب بناء مؤسسات حديثة واقتصاد منتج وجيش محترف قادر على مواكبة التحولات العالمية.
واشنطن تغيّر أولوياتها في القرن الإفريقي
التحولات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة بدأت تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها الحليف الأكثر أهمية في شرق إفريقيا، في وقت فقدت فيه الخرطوم كثيراً من وزنها الاستراتيجي التقليدي.
فبعد أن كانت السودان تمثل دولة محورية في حسابات الأمن الإقليمي، أصبحت اليوم ساحة مفتوحة للصراعات والتدخلات الخارجية، مع تراجع الثقة الدولية في سلطة الأمر الواقع والانهيار المستمر لمؤسسات الدولة.
كما أن التفاهمات التي بدأت بين الخرطوم وواشنطن خلال فترة حكومة الدكتور عبدالله حمدوك، بما في ذلك القرض التجسيري الأمريكي لتسوية متأخرات السودان لدى البنك الدولي، انهارت بالكامل عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، ليدخل السودان مجدداً في دائرة العزلة والاضطراب.
إعادة رسم خرائط النفوذ
خلاصة المشهد أن الاتفاق الأمريكي الإثيوبي الأخير لا يمكن النظر إليه باعتباره تعاوناً اقتصادياً عابراً، بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل واسعة للتوازنات الجيوسياسية في القرن الإفريقي.
فالولايات المتحدة تسعى إلى بناء محور إقليمي جديد يحمي مصالحها في البحر الأحمر ويحد من النفوذ الصيني والروسي، بينما ترى إثيوبيا في هذه اللحظة فرصة تاريخية لإعادة بناء جيشها وتعزيز نفوذها الإقليمي وتحقيق طموحاتها الجيوسياسية الكبرى.
أما السودان، فيقف اليوم أمام معضلة تاريخية حقيقية، إذ يجد نفسه خارج معادلات النفوذ الجديدة، في وقت تتسارع فيه التحولات الإقليمية بصورة قد تعيد رسم خريطة القوة في القرن الإفريقي لعقود قادمة.




