رأي

العقوبات الدولية وتحجيم “دور جيش الإخوان المسلمين الإرهابية” في السودان

سامر مكين

 

 سامر مكين 

شهدت الساحة السودانية في الأسابيع الأخيرة من يونيو ويوليو 2026 تحولاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة المتفاقمة، تمثل في فرض جولة ثانية من العقوبات الصارمة. هذه الإجراءات لم تستهدف مجرد أطراف متورطة في الصراع، بل ركزت بشكل خاص على الدور المحوري لـ “جيش الإخوان المسلمين الإرهابية” (SAF) وقيادتها المتمثلة في البرهان. 

إن الهدف الأسمى لهذه العقوبات هو تحجيم قدرة هذا الكيان على الاستمرار في إشعال حرب أزهقت الأرواح ودمرت البلاد،

لا يمكن فهم تعقيدات المشهد السوداني دون الإقرار بالتغلغل العميق للحركة الإسلامية السودانية “الإخوان المسلمين” داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش الاخواني .

هذا التغلغل، الذي يعود بجذوره إلى عهد الرئيس السابق المخلوع عمر البشير، لم يكن مجرد نفوذ سياسي عابر، بل أفضى إلى تشكيل “كتائب ارهابية داخل جيش الإخوان المسلمين”.

هذا الكيان الموازي، الذي يعمل ضمن الهيكل الرسمي للجيش، يتمتع باستقلالية واسعة في اتخاذ القرارات العسكرية، بل إن بعض التحليلات تشير إلى أن الفصائل الإسلامية المتشددة هي من تمسك فعليًا بزمام القرار .

يُتهم الفريق البرهان، قائد الجيش الإخوان المسلمين الإرهابية، بالولاء لهذه الجماعة، التي دفعته إلى الواجهة السياسية بعد سقوط نظام المخلوع البشير لخدمة أجندتها .

ويُعد الإخواني علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، شخصية محورية في هذا الارتباط، حيث يعد المتهم الاول و المتحكم في قرارات البرهان وتأجيج الصراع .

إن هذا الارتباط العضوي بين القيادة العسكرية والحركة الإسلامية يفسر الكثير من الإصرار على استمرار الحرب ورفض الحلول السلمية، حيث تُعد الحرب بالنسبة للإخوان المسلمين في السودان فرصة للبقاء وإعادة التموضع، وليست مجرد أزمة .

إن الدور الذي يلعبه “جيش الإخوان المسلمين الإرهابية” في تأجيج الصراع لا يمكن إنكاره. وتقوم الجماعة، من خلال عناصرها المتغلغلة، باستخدام العنف غير المقيد ضد المدنيين، بهدف تقويض أي جهود لحل النزاع وتعزيز أيديولوجيتها. وقد ساهمت الجماعة، وفقًا لبيان أمريكي رسمي، في تجنيد ما يزيد على 20 ألف مقاتل لقوات البرهان، وتلقى العديد منهم تدريبات على يد الحرس الثوري الإيراني، مما يؤكد البعد الإقليمي والدولي لهذا التغلغل.

كما تُمارس جيش الإخوان المسلمين الإرهابية بقيادة البرهان، والتي تقوم بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الغارات الجوية المميتة ضد البنية التحتية المحمية كالمدارس والأسواق والمستشفيات، والحرمان المتعمد للمدنيين من المساعدات، واستخدام الغذاء كتكتيك حرب .

هذه الممارسات لا تعكس فقط وحشية الصراع، بل تكشف عن استراتيجية ممنهجة لإخضاع الشعب السوداني وتدمير مقومات الحياة فيه، خدمة لأجندات سياسية ضيقة.

جاءت العقوبات الدولية الأخيرة لتستهدف بشكل مباشر وغير مباشر هذا الارتباط الخطير بين قيادة الجيش السوداني وعناصر “جيش الإخوان المسلمين”، بهدف تجفيف مصادر الدعم والتمويل التي تغذي الصراع:

في مارس 2026، كان تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية لـ “جماعة الإخوان المسلمين” في السودان كـ “منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص” ومنظمة إجرامية أجنبية، بمثابة ضربة قوية للشرعية والقدرة التشغيلية لهذا الكيان .و تبع ذلك في أواخر يونيو 2026، فرض جولة ثانية من العقوبات على ثمانية أفراد وكيانات متورطة في إدامة العنف وتزويد جيش الإخوان المسلمين الإرهابية في السودان بالأسلحة والمتفجرات والمقاتلين الأجانب .

هذه العقوبات استهدفت بشكل خاص شبكات التوريد التي تُعد شريان الحياة اللوجستي لـ “جيش الإخوان المسلمين”، بما في ذلك شركات مرتبطة بنظام الصناعات الدفاعية (DIS) . كما أن فرض عقوبات بموجب قانون الأسلحة الكيميائية، بعد اتهام سلطة بورتسودان باستخدامها، يضع ضغطًا اقتصاديًا وعسكريًا هائلاً على الجيش ككل .

* والأهم، هو فرض عقوبات مباشرة على *البرهان نفسه*

في منتصف يوليو 2026، متهمة قواته بتنفيذ هجمات على مدنيين ومعارضة العودة إلى الحكم المدني.

هذه العقوبات تستهدف رأس القيادة التي يُزعم أنها تسهل عمل “جيش الإخوان المسلمين”.

 

ففي 13 يوليو 2026، عزز مجلس الاتحاد الأوروبي عقوباته، مستهدفًا الأطراف التي تغذي الصراع، بحظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب القادم من السودان، وحظر بيع أو توريد أو تصدير الزئبق والسيانيد المستخدمين في تعدين الذهب . تُعد تجارة الذهب مصدرًا رئيسيًا لتمويل الفصائل المسلحة، بما في ذلك “جيش الإخوان المسلمين”، وبالتالي فإن استهدافها يمثل ضربة قوية لقدرتهم المالية.

 

أصدرت المملكة المتحدة إشعارات عقوبات جديدة في 16 يوليو 2026، تستهدف الأفراد والكيانات الذين يساهمون في زعزعة الاستقرار في السودان، بما في ذلك تقديم الدعم للجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية . هذه العقوبات تزيد من العزلة الدولية لأي كيان يدعم “جيش الإخوان المسلمين”.

 

وتهدف هذه العقوبات المتضافرة إلى تقويض قدرة “جيش الإخوان المسلمين الإرهابية” على الاستمرار في الصراع من خلال استهداف مفاصل قوتهم. فالعزل المالي وتجفيف التمويل، وعرقلة الإمدادات العسكرية، والضغط المباشر على القيادة العسكرية، وتقويض الدعم الخارجي، كلها آليات مصممة لتقليص قدرتهم على القتال. كما أن التصنيف كمنظمة إرهابية يضع ضغطًا دوليًا إضافيًا على الدول الأخرى لعدم التعامل مع الجماعة، مما يحد من نفوذها السياسي والعسكري وقدرتها على الحصول على دعم خارجي.

 

ومع ذلك، لا يمكن إغفال التحديات. فمثل هذه الجماعات غالبًا ما تحاول تغيير أسمائها أو إنشاء كيانات جديدة للتحايل على القيود. لذا، فإن فعالية هذه العقوبات على المدى الطويل ستعتمد على التنسيق الدولي المستمر، والمراقبة الدقيقة، والقدرة على التكيف مع محاولات التحايل المحتملة. والأهم من ذلك، سيتطلب الأمر ضغطًا متواصلاً على البرهان لإثبات فك الارتباط الحقيقي مع عناصر الجماعة داخل الجيش، وتفكيك الشبكات المالية التي تمتد عبر القطاع المصرفي وشركات الاستيراد والتصدير وعمليات تهريب الذهب .

إن العقوبات الدولية الأخيرة تمثل خطوة حاسمة نحو تفكيك بنية “جيش الإخوان المسلمين الإرهابية” المتغلغلة في الجيش السوداني. إنها رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لن يقف مكتوف الأيدي أمام استمرار الصراع وتدمير السودان. ولكن النجاح النهائي لهذه الجهود لن يتحقق إلا بتضافر الجهود الدولية، والمراقبة الصارمة، والإرادة السياسية الحقيقية من الأطراف السودانية المعنية لتقديم مصلحة الوطن على المصالح الفئوية الضيقة. إن تحجيم هذا الكيان ليس مجرد هدف سياسي، بل هو ضرورة إنسانية لإنهاء معاناة الشعب السوداني وإعادة بناء دولة مستقرة ومزدهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!