
مني عبدالله دلدوم
عندما نتحدث عن بناء الوطن واستقراره، لا بد أن نضع العمال وأصحاب الأشغال اليومية في مقدمة المشهد. هؤلاء الذين يخرجون مع أول ضوء النهار، يحملون أدواتهم البسيطة وأحلامهم الكبيرة، ويسعون خلف لقمة العيش بعرق جبينهم. هم الواجهة الصامتة التي كثيراً ما تُغفل في الخطاب العام، ولكنها تظل الأساس الحقيقي الذي يقوم عليه المجتمع والدولة.
في السودان، تتجلى صورة العامل اليومي بشكل أكثر وضوحاً بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد. البطالة، ارتفاع الأسعار، وانعدام الاستقرار السياسي كلها عوامل جعلت من العمل اليدوي والمهن البسيطة الملاذ الوحيد لآلاف الأسر. لكن رغم قسوة الظروف، يواصل هؤلاء العمال أداء دورهم بلا كلل أو ملل، في البناء، الزراعة، النقل، الأسواق، وحتى في المهن الموسمية البسيطة. وهنا يظهر معدنهم الحقيقي: الصبر والإصرار على الكفاح.
من الناحية الاجتماعية، هؤلاء العمال يمثلون العمود الفقري للأسرة. العامل الذي يقضي يومه تحت الشمس الحارقة، أو وسط الغبار والأتربة، يعود في نهاية اليوم محملاً بالإرهاق، لكنه يحمل أيضاً الأمل لأولاده في التعليم والغذاء والمسكن الكريم. في الواقع، لولا هذه الفئة الصامدة، لما استطاع المجتمع أن يحافظ على توازنه. فالموظف والطبيب والمهندس والطالب، كلهم يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على جهد العمال البسطاء.
لكن في المقابل، يواجه العمال في السودان واقعاً صعباً. أجورهم غالباً ما تكون زهيدة وغير متناسبة مع حجم الجهد المبذول، إضافة إلى غياب الضمانات الاجتماعية مثل التأمين الصحي أو المعاشات. هذا الوضع يجعلهم في حالة هشاشة دائمة، حيث يمكن أن تطيح بهم أزمة صحية بسيطة أو توقف مفاجئ في سوق العمل. وهنا يبرز سؤال مهم: هل من العدل أن يتحمل هؤلاء أعباء المجتمع وحدهم دون أن يحصلوا على التقدير والحقوق التي يستحقونها؟
من منظور شخصي، أرى أن قيمة العمال لا تقاس فقط بما ينتجونه من عمران وزراعة وخدمات، بل تقاس أيضاً بما يقدمونه من دروس في الصبر والكفاح والإيمان بالحياة. كل عامل في السودان هو حكاية بطولة يومية، وإن كانت لا تُروى في وسائل الإعلام. يكفي أن تراقب وجوههم حين يتصبب العرق منهم في مواقع البناء، أو أيديهم المتشققة من العمل في الأرض، لتدرك أنك أمام إنسان يستحق أعلى درجات الاحترام.
وعليه، فإن التحية التي نوجهها للعمال لا ينبغي أن تظل مجرد كلمات أو شعارات، بل يجب أن تتحول إلى سياسات عملية: تحسين الأجور، توفير الحماية الاجتماعية، وتقدير جهودهم عبر التشريعات والتكريمات الرسمية. فالمجتمع الذي لا يكرم عماله محكوم عليه بالضعف، بينما المجتمع الذي يحتضنهم ويعترف بفضلهم يبني لنفسه أساساً قوياً للمستقبل.
في النهاية، يمكن القول إن العمال وأصحاب الأشغال اليومية هم السودان الحقيقي، هم صورته الصامدة رغم كل التحديات. يستحقون منا كل الود والاحترام، بل ويستحقون وسام الشرف على ما يقدمونه يومياً في صمت. فلتكن تحيتنا لهم بداية فعل حقيقي يضعهم في المكانة التي يستحقونها.
منى عبدالله دلدوم
المانيا.




