القاعدة الجوية المصرية السرّية… حين تنتقل حرب الطائرات المسيّرة إلى عمق الصراع السوداني
عبد الرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا

عبد الرحمن أبو رندة
لم تعد الحرب في السودان شأناً داخلياً محصوراً بين أطراف محلية تتنازع السلطة والنفوذ، بل تحوّلت تدريجياً إلى ساحة اختبار مفتوحة لتوازنات إقليمية ودولية، تتداخل فيها المصالح، وتُدار فيها المعارك بأدوات تتجاوز الجغرافيا والسيادة. أحد أخطر ملامح هذا التحوّل هو ما كشفه تحقيق أمريكي حديث عن وجود قاعدة جوية مصرية سرّية تُدار منها حرب الطائرات المسيّرة داخل الأراضي السودانية، في سابقة تمثل قفزة نوعية في طبيعة التدخل الخارجي ومساره.
هذا الكشف، الذي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، لا يضيف مجرد تفصيل عسكري جديد إلى مشهد معقّد أصلاً، بل يعيد رسم خريطة الصراع، ويفتح الباب أمام أسئلة أعمق حول دور مصر، ومستقبل الحرب، وحدود الانخراط الإقليمي في السودان الذي أنهكته حرب تجاوزت ألف يوم دون أفق واضح للحسم أو السلام.
مطار شرق العوينات… قاعدة تتخفى في ثوب زراعي
وفقاً للتحقيق، تقع القاعدة الجوية المعنية في قلب الصحراء الغربية المصرية، وتحديداً في منطقة شرق العوينات، حيث تمتزج المنشآت العسكرية بمشاريع زراعية عملاقة تُرى من الفضاء على شكل دوائر هندسية منتظمة. هذا “التمويه البصري” لم يكن تفصيلاً عارضاً، بل جزءاً من هندسة مقصودة لإخفاء مدرج طائرات ومنشآت عسكرية وسط مشهد زراعي يوحي بالتنمية لا بالحرب.
المدرج الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه مخصص لخدمة مشروع زراعي طموح، تحوّل – بحسب التحقيق – خلال الأشهر الستة الماضية على الأقل إلى مركز رئيسي لإطلاق طائرات مسيّرة متطورة، تنفذ غارات عميقة داخل الأراضي السودانية. وتكشف صور الأقمار الصناعية عن توسع تدريجي في المطار منذ عام 2018، شمل إضافة مدرج ثانٍ وبناء ما لا يقل عن 17 حظيرة طائرات، ما يشير إلى تخطيط طويل الأمد يتجاوز الظرف السوداني الراهن.
تحقيق نيويورك تايمز… الأدلة من الفضاء إلى الميدان
اعتمدت الصحيفة الأمريكية في تحقيقها على مزيج معقّد من مصادر المعلومات: صور أقمار صناعية من شركات تجارية مثل “بلانيت لابس” و“فانتور”، وسجلات رحلات جوية، ومقاطع فيديو التقطت من الميدان السوداني، إضافة إلى مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب. هذا التراكم من الأدلة منح التحقيق ثقلاً يصعب تجاهله أو التعامل معه كمجرد اتهام إعلامي.
وتُظهر الصور الجوية بوضوح وصول طائرات شحن تركية إلى المطار في يوليو 2025، محمّلة بأنظمة متقدمة لطائرات “أكينجي” المسيّرة، إضافة إلى تركيب أنظمة اتصال عبر الأقمار الصناعية، ما مكّن القاعدة من إدارة عمليات بعيدة المدى داخل السودان، مع قدرة على التحكم اللحظي في الطائرات أثناء تنفيذ الغارات.
“أكينجي” التركية… تفوّق تقني يغيّر ميزان المعركة
تكشف المصادر أن الطائرات المستخدمة في هذه العمليات هي طائرات مسيّرة تركية الصنع من طراز “أكينجي” (Akinci)، وهي من أكثر الطائرات بدون طيار تطوراً في الترسانة التركية. تتميز هذه الطائرة بمدى عملياتي يتجاوز 4500 ميل، وقدرة على حمل ذخائر تفوق ثلاث مرات ما تحمله طائرة “بيرقدار TB2” الأشهر، مع تكلفة تصل إلى نحو 25 مليون دولار للطائرة الواحدة.
هذا التفوق التقني منح القوات المدعومة بهذه الطائرات قدرة غير مسبوقة على ضرب قوافل الإمداد، واستهداف تجمعات المقاتلين، وتنفيذ عمليات عميقة في مناطق نائية من دارفور والصحراء الغربية السودانية. ففي نوفمبر 2025، وثّق مقطع فيديو احتراق أربع شاحنات لقوات الدعم السريع في عمق الصحراء بعد عبورها الحدود، في مشهد يلخص كيف أعادت الطائرات المسيّرة رسم قواعد الاشتباك.
تحوّل الموقف المصري… من الدبلوماسية إلى التدخل المباشر
الأخطر في هذا التطور ليس الجانب التقني فحسب، بل الدلالة السياسية. فمصر، التي حرصت طيلة الأشهر الأولى للحرب على الظهور بمظهر الوسيط الدبلوماسي والداعم للحلول السياسية، تبدو – وفق هذا التحقيق – وقد انتقلت إلى موقع الطرف المنخرط مباشرة في المعركة إلى جانب الجيش السوداني وسلطة بورتسودان.
وتشير مصادر التحقيق إلى أن هذا التحول بدأ يتبلور بعد سقوط مدينة الفاشر في إقليم دارفور نهاية أكتوبر 2025، وهو تطور اعتبرته القاهرة تهديداً مباشراً لتوازنات الإقليم وأمنها الاستراتيجي. وفي ديسمبر من العام نفسه، أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تحذيراً واضحاً من تجاوز ما سماه “الخط الأحمر”، لتبدأ بعد ذلك موجة تكثيف ملحوظة لغارات الطائرات المسيّرة داخل السودان.
بهذا المعنى، لم يعد الدور المصري محصوراً في التصريحات والتحركات الدبلوماسية، بل بات جزءاً من المعادلة العسكرية، ما يضيف بُعداً جديداً لصراع تغذيه بالفعل تدخلات قوى إقليمية ودولية متعددة، من الشرق والغرب.
ردود الفعل والمخاطر… تصعيد مفتوح بلا سقف
لم تمر هذه التطورات دون رد من قوات الدعم السريع، التي أعلنت إسقاط ما لا يقل عن أربع طائرات “أكينجي” خلال الأشهر الأخيرة. ووجّه قائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي” تهديدات مبطنة، قال فيها إن أي طائرة مسيّرة تقلع من أي مطار ستكون “هدفاً مشروعاً”، في إشارة واضحة إلى القاعدة الأجنبية التي تُطلق منها هذه الطائرات.
هذا التراشق لا يحمل فقط خطر توسيع رقعة الحرب داخل السودان، بل ينذر بإمكانية انتقالها إلى مستويات إقليمية أكثر خطورة، خصوصاً إذا ما جرى استهداف مباشر لأراضٍ أو منشآت خارج السودان. كما أن الضربات التي أدت إلى حرائق هائلة في معابر حدودية، مثل أديكونغ، ودمّرت مباني وأشعلت النيران في مناطق مدنية، تطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية حول كلفة هذا النوع من الحروب على المدنيين.
السودان كساحة اختبار… إلى أين؟
يكشف ملف القاعدة الجوية المصرية السرّية أن السودان لم يعد فقط بلداً يعيش حرباً أهلية، بل تحوّل إلى ساحة اختبار لتقنيات عسكرية متقدمة، ومسرح تصادم لمصالح إقليمية متشابكة. حرب الطائرات المسيّرة، التي تُدار من قواعد بعيدة ومموّهة، تعمّق مأساة البلاد، وتبعدها أكثر عن أي أفق سياسي قريب.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأخطر: هل يقود هذا التصعيد إلى حسم عسكري، أم يفتح الباب أمام جولات جديدة من العنف والانتقام، تدفع ثمنها المدن والقرى والإنسان السوداني البسيط؟ ما هو مؤكد أن إدخال أدوات الحرب الذكية لا يعني بالضرورة قرارات ذكية، وأن تحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة لن ينتج سوى مزيد من الدمار، في وطن أنهكته الحرب حتى العظم.




