رأي

ماهي جذور الازمه وكيف نخرج السودان من دائرة الحرب؟

د.تيسير مصطفي 

 

د.تيسير مصطفي 

يتحدث كثيرون عن العدالة في السودان، لكن معظمنا لا يتوقف ليسأل: ما الذي نعنيه بالعدالة؟ وما الذي نريده منها؟ وكيف نتصور شكلها في دولة مثل السودان؟

قبل أن نبحث عن الإجابة، علينا أن نعود خطوة إلى الوراء، وأن نفهم كيف تشكلت الدولة السودانية الحديثة، وكيف أثرت طبيعة النظام الذي ورثناه من الحقبة الاستعمارية في مسارنا السياسي والاقتصادي حتى اليوم.

من اقتصاد الاستخراج إلى بناء الدولة

خلال الحقبة الاستعمارية، اتبعت بريطانيا في السودان، كما فعلت في العديد من مستعمراتها، نموذجاً اقتصادياً يقوم بدرجة كبيرة على استخراج الموارد والمواد الخام ونقلها إلى الخارج، حيث يتم تصنيعها أو الاستفادة منها اقتصادياً.

ولخدمة هذا النموذج، نشأت بنية تحتية ومؤسسات وأجهزة أمنية وعسكرية صُممت أساساً لتأمين النظام القائم وحماية طرق ومصالح استخراج الموارد ونقلها.

المشكلة أن السودان، بعد الاستقلال، لم يجرِ عليه التحول الجذري الذي كان يجب أن يحدث.

كان من المفترض أن تتحول مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية، من مؤسسات هدفها الأساسي حماية السلطة والنظام إلى مؤسسات هدفها الأول حماية المواطن والدولة والحدود.

وكان من المفترض كذلك أن تنتقل الدولة من اقتصاد يقوم على استخراج الموارد إلى اقتصاد يقوم على التنمية والإنتاج والاستثمار في الإنسان.

لكن هذا التحول لم يحدث بالشكل المطلوب.

وبالمثل، نشأت الأحزاب السياسية المدنية في ظل بنية سياسية واقتصادية لم تتغير جذرياً. ولذلك ظلت معظم الأحزاب تتنافس على الوصول إلى السلطة، أكثر من تنافسها على تقديم مشاريع تنموية متكاملة تنطلق من احتياجات المواطن السوداني.

وهكذا أصبحت السياسة في كثير من الأحيان معركة حول من يحكم، بدلاً من أن تكون منافسة حول كيف نبني دولة أفضل.

مركزية السلطة وإنتاج الأزمات

لقد ساهمت المركزية الشديدة في ترسيخ هذا الوضع.

عندما تتركز السلطة والقرار والموارد في مركز واحد، يصبح الوصول إلى المركز هدفاً بحد ذاته. ومن يسيطر على المركز يستطيع أن يتحكم في معظم أنحاء البلاد ومواردها.

وهذا النموذج يخلق بطبيعته صراعاً مستمراً على السلطة، ويشجع على الاحتكار والفساد، ويجعل الأقاليم والمجتمعات المحلية تعتمد على المركز في كل شيء.

وفي المقابل، يعيش المواطن السوداني في بلد غني بالموارد، لكنه لا يرى انعكاس هذه الثروة على حياته اليومية.

السودان بلد بمساحة قارة، يمتلك موارد زراعية ومعدنية وحيوانية ومائية هائلة، ومع ذلك يعيش جزء كبير من شعبه في الفقر، بينما تتركز الثروة في أيدي قلة محدودة.

هنا تظهر واحدة من أكبر مشكلاتنا: غياب العدالة في توزيع الموارد وفرص التنمية.

وعندما يغيب الأمل في الدولة، يبدأ الإنسان في البحث عن حماية بديلة. فيلجأ إلى القبيلة أو الجهة أو المنطقة أو الجماعة المسلحة، لأن مفهوم الدولة نفسه يكون قد تراجع في وعيه.

وهكذا تتحول الدولة من إطار يجمع الجميع إلى ساحة صراع بين مراكز القوى.

لماذا نحتاج إلى سودان جديد؟

إذا أردنا الخروج من هذه الدائرة، فعلينا أن نغير طريقة تفكيرنا في الدولة نفسها.

نحتاج إلى الانتقال من اقتصاد الاستخراج إلى اقتصاد التنمية، ومن دولة شديدة المركزية إلى دولة لا مركزية، ومن مؤسسات تخدم السلطة إلى مؤسسات تخدم المواطن.

ولهذا أرى أن من أهم ما ورد في ميثاق تأسيس هو الدعوة إلى بناء سودان جديد يقوم على ركائز أساسية، من بينها الحكم المدني الديمقراطي اللامركزي والعلماني.

لكن اللامركزية لا تعني أن نستبدل مركزاً بمركز آخر.

إذا كنا نريد فعلاً كسر مركزية القرار، فلا يمكن أن ننشئ مركزاً جديداً يكرر نفس أخطاء المركز القديم.

المطلوب هو أن تكون السلطة قريبة من المواطن، وأن يكون لكل إقليم حق حقيقي في إدارة شؤونه واختيار قياداته من داخل الإقليم، وفق نظام ديمقراطي واضح، بحيث تأتي السلطة من أسفل إلى أعلى، وليس من أعلى إلى أسفل.

ثمانية أقاليم تتنافس في التنمية

يمكن أن يكون السودان، وفق هذا التصور، دولة اتحادية لا مركزية تتكون من ثمانية أقاليم، بحيث يتمتع كل إقليم بقدر واسع من الحكم الذاتي والمسؤولية عن موارده وتنميته وخدماته.

الفكرة هنا ليست تقسيم السودان، بل إعادة بناء الدولة على أساس المشاركة والمسؤولية المحلية.

كل إقليم سيكون مسؤولاً عن كيفية استخدام موارده، وكيفية تطوير اقتصاده، وكيفية توفير التعليم والصحة والخدمات وفرص العمل لمواطنيه.

وعندها يمكن أن يتحول التنافس بين الأقاليم من تنافس على السلطة إلى تنافس على التنمية والازدهار وجودة الحياة.

الإقليم الذي ينجح في التنمية سيصبح نموذجاً يحتذى به، والإقليم الذي يفشل يستطيع مواطنوه تغيير حكومته ومحاسبتها، بدلاً من انتظار تغيير السلطة في المركز.

كما أن فشل حكومة إقليمية سيظل محصوراً في نطاق الإقليم، بدلاً من أن يؤدي فشل حكومة مركزية واحدة إلى شل الدولة السودانية بأكملها.

وهذا ليس مجرد تصور نظري. فنحن نرى اليوم، في مناطق مختلفة من السودان، كيف بدأ المواطنون يطالبون بأن تكون لهم كلمة في إدارة موارد مناطقهم وأراضيهم. وعندما يشعر الناس بأن مواردهم تُدار بعيداً عنهم، فإن رد الفعل الطبيعي هو الاحتجاج والمقاومة.

لكن الحل ليس في الفوضى، وإنما في بناء نظام يمنح المجتمعات حقها في المشاركة والقرار والمساءلة.

إعادة تعريف دور الجيش

وفي هذا النموذج، يجب أيضاً إعادة تعريف دور الجيش والأجهزة الأمنية.

الجيش الوطني الحقيقي ليس جيشاً لحماية الحاكم أو النظام السياسي، بل جيش لحماية الوطن والدستور والحدود والمواطنين.

السودان لديه حدود شاسعة تحتاج إلى حماية ومؤسسة عسكرية محترفة قادرة على القيام بهذه المهمة.

أما حماية السلطة السياسية أو استخدام الجيش في الصراع الداخلي، فهي وظيفة تتعارض مع بناء الدولة المدنية الديمقراطية.

لذلك نحن بحاجة إلى إعادة بناء العقيدة العسكرية على أساس جديد: حماية الوطن والمواطن، وصون سيادة الدولة، وحماية الحدود، والالتزام بالدستور والقانون.

مسؤولية المجتمع الدولي

إذا نجح السودان في الانتقال من اقتصاد الاستخراج إلى اقتصاد التنمية، ومن المركزية إلى اللامركزية، فإن المجتمع الدولي نفسه سيضطر إلى إعادة النظر في طريقة تعامله مع السودان.

فالعالم اليوم يدفع ثمناً باهظاً لعدم الاستقرار في السودان، سواء من خلال النزوح والهجرة غير النظامية، أو انتشار الجريمة، أو تهريب الموارد، أو الأزمات الإنسانية، أو التهديدات الإقليمية.

وبالتالي، فإن تكلفة عدم الاستقرار أصبحت أعلى بكثير من تكلفة الاستثمار في الاستقرار والتنمية.

من مصلحة السودان، ومن مصلحة المجتمع الدولي، أن يتحول السودان من دولة تُستنزف مواردها إلى دولة تنتج وتستثمر وتوفر فرصاً لشعبها.

لا نبني المستقبل على الكراهية

علينا أيضاً أن نكون صريحين مع أنفسنا.

لا يمكن أن نبني دولة جديدة على أساس تقسيم السودانيين إلى “شماليين” و”غرابة”، أو إلى قبائل ومجموعات تتبادل الاتهامات.

لكن اختزال كل الأزمة في أن مجموعة إثنية واحدة “أكلت أموال الآخرين” ليس تفسيراً كافياً لجذور الأزمة السودانية، بل قد يؤدي إلى مزيد من العنصرية والكراهية والانقسام.

المشكلة أعمق من ذلك.

المشكلة في نظام سياسي واقتصادي مركزي سمح عبر عقود بتراكم السلطة والثروة في أيدي مجموعات محدودة، وأنتج صراعاً مستمراً على المركز.

وفي مثل هذا النظام، يستفيد بعض الأشخاص من استمرار الصراع، سواء كانوا داخل السودان أو خارجه.

لذلك علينا أن نرفع مستوى الوعي، وأن نفهم كيف تعمل هذه المنظومة، وأن نرفض أن نكون أدوات في صراعات لا تخدم المواطن السوداني.

الفرصة أمامنا الآن

لقد دفع السودان ثمناً هائلاً منذ الاستقلال.

حروب متكررة، نزوح، فقر، انهيار اقتصادي، وتدمير للبنية الاجتماعية والسياسية.

آن الأوان أن نتعلم من التاريخ.

لدينا اليوم فرصة لإعادة بناء السودان على أسس جديدة، وليس فقط لتغيير الأشخاص الذين يحكمون.

نحتاج إلى تغيير طريقة الحكم نفسها.

نحتاج إلى دولة مدنية ديمقراطية لا مركزية، تقوم على ثمانية أقاليم تتمتع بحكم ذاتي حقيقي، بحيث يكون كل إقليم مسؤولاً أمام مواطنيه عن موارده وتنميته وخدماته.

وفي المقابل، يكون للحكومة الاتحادية دور محدد في القضايا التي تحتاج إلى دولة موحدة، مثل السياسة الخارجية والدفاع والسيادة الوطنية والقضايا الاستراتيجية المشتركة.

نحتاج إلى جيش وطني جديد في عقيدته، مهني في أدائه، مهمته حماية الوطن والمواطن والحدود، وليس حماية أي حاكم أو حزب.

ونحتاج إلى اقتصاد جديد ينتقل من سياسة استخراج الموارد إلى سياسة التنمية والإنتاج والاستثمار في الإنسان.

هذه، في رأيي، هي العدالة التي نحتاج أن نتحدث عنها.

عدالة لا تقوم على الانتقام، ولا على الكراهية، ولا على إعادة إنتاج الصراع بين مكونات المجتمع.

بل عدالة تقوم على أن يحصل كل سوداني على حقه في المواطنة، وأن يحصل كل إقليم على حقه في التنمية، وأن تكون موارد السودان ملكاً لشعبه، وأن تكون السلطة خادمة للمواطن وليست متسلطة عليه.

ثمانية أقاليم. حكم لا مركزي. دولة مدنية ديمقراطية علمانية. جيش وطني مهني. واقتصاد ينتقل من الاستخراج إلى التنمية.

إذا أردنا فعلاً بناء السودان الجديد، فعلينا ألا نكتفي بتغيير من يحكم السودان، بل علينا أن نغير كيف يُحكم السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!